إيران والتحدّي الاستراتيجيّ!

خاص “المدارنت”
ألجمهوريّة الاسلاميّة الايرانيّة، اليوم، هي جزء من الأمبراطوريّة الفارسيّة القديمة التي أسّسها “قورش” عام 559 قبل الميلاد، والتي تعود حواضرها المدنيّة لأكثر من سبعة آلاف عام، واستمرّت، بأشكال مختلفة ، إلى سنة 636 ميلاديّة حيث هزمها سعد بن أبي وقّاص، الذي أرسله عمر بن الخطّاب لفتح العراق، فدخل أهلها في الإسلام وفي دولتِه.
أخضعت الأمبرطوريّة الفارسيّة الشعوب المتاخمة لها، من عرب وغيرهم، لسيطرتها العسكريّة والسياسيّة وتنازعت ذلك مع الأمبراطوريّة الرومانيّة والغزوات الخارجيّة لمئات السنين، فكانت السلطة المُهَمِنة التي شكّلت حوالي 40% من سكّان العالم في القرن الخامس قبل الميلاد وصاحبة القرار من أقاصي الشرق إلى ليبيا في شمال أفريقيا وإلى مقدونيا في أواسط أوروبّا.
في العصور الإسلاميّة، شهِدت البلاد تحوُّلات عديدة كان أهمُّها ظهور الدولة الصفويّة التي نقلت الايرانيّين إلى المذهب الشيعيّ؛ ودمجته بالقوميّة الفارسيّة؛ لتميِّز نفسها عن محيطها انسجامًا مع تاريخها الأمبراطوريّ الذي، حسب مفهومها ، قضى عليه العرب عندما فتحوا البلاد وأدخلوها في دين الإسلام.
أمّا في العصر الحديث فقد انحصرت إيران، ضمن الحدود التي نراها اليوم منذ تأسيس الشاهنشاهيّة على يد رضا شاه عام 1925 وولده محمد رضا حتّى قيام الثورة “الإسلاميّة” عام 1979 بقيادة الإمام الخمينيّ.
كانت إيران الشاه؛ تحت المظلّة الأميركيّة وحليفة لـ”إسرائيل”، التي تأسّست عام 1948، على يد مستوطنين يهود جاؤوا من الخارج؛ واغتصبوا جزءًا من أرض فلسطين، حاملين معهم مشروعًا صهيونيًّا لتغيير وجه المنطقة؛ وإقامة دولة صهيونيّة تمتدّ من نهر النيل إلى نهر الفرات.
لم يبخل الشاه محمد رضا بهلوي في مساعدة حليفته “إسرائيل”، وفي معاداة المشروع القوميّ العربيّ الذي كان يقوده جمال عبد الناصر من مصر، والذي كان الأمل في استعادة العرب لزمام المبادرة؛ وأخذ موقعهم ووضعهم الطبيعيّ في المعادلات الدوليّة وعلى خارطة العالم الحضاريّة، بكلّ أبعادها السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والأمنيّة.
استمرّ نهج إيران هذا إلى أن قامت الثورة “الإسلاميّة”، حيث طُرِد سفير “إسرائيل”، وأُغلِقت سفارتها وحلّ محلّها تمثيل للثورة الفلسطينيّة، بقيادة “منظّمة التحرير الفلسطينيّة” التي كان يقودها ياسر عرفات.
سلكت القيادة الايرانيّة الجديدة طريق تصدير الثورة إلى الخارج، وبالتحديد إلى حيث يوجد كثافة شيعيّة في بلاد المشرق العربيّ فاصطدمت، أوّل ما اصطدمت، بنظام صدّام حسين في العرب حيث قامت حرب مُدَمِّرة بين البلدين لثماني سنوات ثِقال؛ أنهكتهما على كلّ المستويات مُخَلِّفة مئات الآلاف من القتلى والملايين من الجرحى، ومشهديّة صارخة من الخراب الهائل، ثمّ انتهت بمعاهدة صلح عام 1988.
قامت “الثورة” بتشكيل ميليشيّات تابعة لها في كلّ من لبنان والعراق واليمن، تحت مُسَمّيات مختلفة حيث كانت مهمّة إحداها، التي في لبنان، والتي سمِّيَت “حزب الله”، مقاومة “إسرائيل”، وتحرير الاراضي اللبنانيّة المحتلّة في جنوب البلاد.
تعاظَمَت قوّة تلك المليشيات، وتعاظم شأنها إلى أن سيطرة الحوثيّون على جزء من اليمن، وهيمَنت ميليشيات العراق على مفاصل الدولة، وهيمَن “حزب الله” على السياسة العامة في لبنان، إلى أن بلغ الأمر ببعض القيادات العليا في إيران للتصريح أكثر من مرّة، بأنّهم يهيمنون على أربعة عواصم عربيّة (بغداد وصنعاء ودمشق وبيروت).
هذه التصريحات وما واكبها من اشتراك “حزب الله” في مواجهة الثورة، التي قامت ضدّ النظام السوريّ في عام 2011، شكّلت إحساسًا بالخطر الداهم على معظم دول المشرق العربيّ، وبخاصّة دول الخليج.
أمّا الدور الأهمّ، في المنطقة، فكان الذي لعبه “حزب الله” في مواجهة “إسرائيل”، عبر أكثر من أربعة عقود من مقاومة للاحتلال حتّى تحرير الجنوب اللبنانيّ عام 2000، ومن ثمّ التصدّي لعدوان 2006، وفي مساندة غزّة عام 2023، التي اناهت باجتياح “إسرائيليّ” واسع لقرى الحدود الجنوبيّة، وتدميرها بالكامل وتهجير سكّانها، فضلًا عن تدمير أجزاء من الضاحية الجنوبيّة، والعديد من المنازل والمرافق في البقاع، واغتيال قيادات الحزب العليا والمتوسّطة، والأمين العامّ السيّد حسن نصر الله، والآلاف من مقاتلي وأعضاء الحزب.
األآن، تواجه إيران، الجمهوريّة الإسلاميّة، أصعب وأدقّ المراحل منذ قيامها في العام 1979، فساعة الحقيقة التاريخيّة قد دقّت؛ ولن يقبل أعداؤها أقلّ من استسلامها، من دون قيد أو شرط، وإنهاء برنامجها النوويّ، وبرنامجها الصاروخيّ، والتخلّي عن كلّ اذرُعِها خارج حدودها.
إذن إيران أمام اختبار الكرامة الوطنيّة الخطير: إمّا الرضوخ والإذعان، والدخول تحت مظلّة أميركا و”إسرائيل”، أو تدمير كلّ مقوِّمات الدولة، بما فيها أركان النظام، ثمّ الانصياع للارادة الأميركيٍّة والصهيونيّة. خياران أحلاهما مُرّ ولا مفرّ من قبول أحدهما.



