مقالات

الحسابات الاستراتيجية الخاطئة لترامب في إيران!

ياسمين الجمل/ مصر

“المدارنت”
مدفوعاً بنجاحه في فنزويلا وبما سُمّي «حرب الاثني عشر يوما» الأمريكية الإسرائيلية على إيران في يوليو 2025، أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خطوة طالما سعى الرؤساء الأمريكيون السابقون إلى تجنبها، وطالما حذّره منها حلفاؤه الخليجيون: الانزلاق نحو حرب شاملة مع إيران. وقد شجّعه على ذلك ضغطٌ متواصل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفائه في واشنطن، ولاسيما الجمهوريين المتشددين الذين اعتبروا التصعيد خطوة حتمية طال انتظارها.

بدا ترامب مقتنعاً بأن هذا الصراع أيضاً سيكون عرضاً سريعاً وحاسماً للقوة الأمريكية الذي رأى أنها تراجعت في عهد سلفه، جو بايدن. كان ترامب، صاحب شعار «السلام من خلال القوة»، يتطلع إلى إنجاز جديد يُضيفه إلى سجله في السياسة الخارجية، ويُقدّمه دليلاً على أنه يُعيد تشكيل الشرق الأوسط. وقد تغيّر الشرق الأوسط فعلاً، لكن على نحو لم يكن يتوقعه ولا يتمناه.

التخطيط المرتجل، والأهداف غير المحددة، وغياب تام لأي استراتيجية واضحة للخروج من المأزق، وسوء تقدير طبيعة النظام الإيراني وقدرته على شنّ ردّ واسع النطاق، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، كلها عوامل حوّلت الحرب من استعراض للقوة إلى نكسة استراتيجية مرجّحة. وربما كان أول أخطاء ترامب عدم إدراكه أن طهران، إن شعرت بتهديد وجودي، فإن أي ميل لها نحو التفاوض سيتراجع لصالح غريزة البقاء بأي ثمن.

لم تكن طهران لتستجيب يوماً لنداءات «الاستسلام غير المشروط»، كما أنها لم تكن ‏لتتقبل التصريحات العلنية لرئيس أمريكي بأن واشنطن ينبغي أن تُشكّل مستقبل إيران السياسي وخلافة حكمها. قد تكون تلك التصريحات أدّت غرضها إعلامياً، لكنها أغلقت الفضاء السياسي الذي كان الطرفان سيحتاجانه لتهدئة الأمور والحفاظ على ماء الوجه أمام جمهوريهما الداخلي. وفي الواقع، بعد إعلان ترامب أنه ينبغي أن يكون له دور في اختيار الزعيم المقبل لإيران، جرى اختيار مجتبى خامنئي نجل آية الله الراحل، مرشدا أعلى جديدا، وأصدر بيانا علنيا، توعّد فيه بمزيد من التصعيد. وهكذا، مع دخول الحرب أسبوعها الثالث، لا يزال التوصل إلى مسارٍ لإنهاء النزاع بعيد المنال.

أما الخطأ الثاني، فكان الدخول في هذا الصراع، من دون أهداف واضحة وقابلة للتحقيق ومرتبطة ارتباطاً مباشراً بالمصالح القومية الأمريكية. بدأ ترامب بالمطالبة بتغيير النظام وحثّ الشعب الإيراني على الانتفاض، ثم تراجع تدريجياً ليحاول لاحقا التركيز على برنامج الصواريخ الباليستية، وقوة إيران البحرية ودعمها للوكلاء الإيرانيين في المنطقة. غير أن هذه الأهداف ليست متكافئة، ولا تشكّل تهديدا وشيكا للولايات المتحدة، وفق تقييمات أجهزة الاستخبارات الأمريكية، وتصريحات أعضاء الكونغرس الحاضرين للإحاطات السرية التي قدّمتها الإدارة.

أما الخطأ الثالث، فكان عدم تقديم مبرر واضح للرأي العام الأمريكي، وبذلك، أضاعت الإدارة الثقة داخل قاعدتها الأساسية حركة (ماغا) ما سيُعمّق الانقسامات بين العناصر المؤيدة لإسرائيل، وتلك التي ترفض إزهاق أرواح الأمريكيين وتبديد مواردهم في حروب تُعتبر خادمةً لأجندة دولة أخرى. وقد لا تؤثر هذه الشقوق على ترامب شخصياً، إذ لن يخوض أي انتخابات مقبلة، غير أنها ستُلقي ظلالها على استراتيجية حملة خليفته السياسي. وربما نشهد بروز بعض هذه النقاشات في الأشهر المقبلة، مع اقتراب انتخابات الكونغرس الأمريكية.

الخطأ الرابع أن الإدارة لم تتشاور مع حلفائها الذين يتحمّلون أشد العواقب لأي صراع مطوّل. ولم يُولِ اهتماماً كافياً لحماية حلفاء أمريكا في الخليج العربي، الذين لم يريدوا هذه الحرب ولم يشاركوا فيها. فدول الخليج سعت إلى الوساطة لإخماد الصراع، لا إلى إذكائه، ومع ذلك تدفع ثمن الحسابات الأمريكية الخاطئة والعدوان الإيراني على اراضيها وعلى البنية التحتية المدنية.

الرسالة كانت واضحة: الولايات المتحدة تتصرف وفق مصالحها الخاصة، بغض النظر عن شركائها. وبالنسبة إلى منطقة كانت قد استثمرت الكثير في ترامب، وكرّست جهدا دبلوماسيا كبيرا لتجنّب حرب مع إيران، فقد شكّلت هذه الرسالة جرس إنذار. دول الخليج التي أسّست نماذجها الأمنية والاقتصادية على ركيزة الاستقرار الذي كانت تكفله القوة الأمريكية والشراكة السياسية معها، تجد نفسها اليوم أمام لحظة مراجعة عميقة لهذه الافتراضات.

وكما أخطأ ترامب في تقدير إرادة النظام الإيراني في البقاء، أخطأ كذلك في تقدير قدرته على الرد، فقد بدت الإدارة واثقةً من أن طهران ستجد نفسها أمام خيارات شحيحة، وأن أي رد انتقامي يمكن استيعابه والسيطرة عليه. غير أن هذا الوهم تجاهل حقيقتين راسختين: القدرة الإيرانية المُثبتة على أن تتجاهل الأذى لنظامها وشعبها، وقدرتها على فرض تكاليف باهظة بأساليب غير تقليدية، سواء عبر هجمات وكلائها في المنطقة، أو الضغط على المسارات البحرية، أو التهديد بضرب البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة في منطقة الخليج.

وهنا بالتحديد بدت إدارة ترامب في أشد لحظات ارتباكها. فقد قفزت أسعار النفط إلى مستويات لم تُسجَّل منذ سنوات، ما أجبر الرئيس الأمريكي على التدخل المباشر لتهدئة الأسواق بتطمينات بدت متسرعة عن قرب نهاية الحرب. بيد أن مساراً للخروج من هذا المأزق لا يلوح في الأفق، وتبقى الأسواق رهينة المجهول في ظل تصعيد إيراني متواصل يستهدف وترا شديد الحساسية: أمن مضيق هرمز وحرية الملاحة فيه.

والحقيقة المؤلمة أن هذه الحرب كان يمكن تفاديها بالكامل، وقد تجنّبها رؤساء أمريكيون سابقون لإدراكهم حجم المخاطر. كما أن أياً من الخطوات التي أقدمت عليها إيران لم يكن مفاجئاً لأي متابع لملف الشرق الأوسط، إذ كانت سيناريوهات الردّ الانتقامي الإيراني مطروحة ومعروفة في دوائر صنع القرار. أما الخطأ الأخير، وربما الأهم، فقد أشعل ترامب فتيل حرب دون أن يُجيب عن السؤال الجوهري: كيف سيبدو النصر فعلياً.

إن كان الهدف تغيير النظام، فذلك يبدو اليوم أمراً غير واقعي. وإن كان الردع، فالحرب قد تُفضي إلى نقيضه تماماً، إذ تترسّخ في ذهن طهران قناعة مفادها، أن رفع الثمن على الولايات المتحدة وشركائها هو وحده الكفيل بردع الهجمات المستقبلية. أما إن كان الهدف إجبار إيران على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أمريكية، فذلك يبدو ضرباً من الوهم في المدى المنظور. فالأنظمة لا تُفاوض حين تشعر بأن بقاءها على المحك؛ بل تُصعّد حتى تستعيد ما يكفي من النفوذ لتجلس إلى تلك الطاولة من موقع القوة لا الضعف.

ربما تستمر هذه الحرب لأسبوعين آخرين، وربما لفترة أطول. وإذا انتهت مع بقاء النظام في إيران قائما، فإن تهديد مواجهة مستقبلية سيخيّم بثقله على المنطقة. هذه هي الحقيقة الجديدة في الشرق الأوسط: واقعٌ أشدّ غموضا وأكثر خطورة مما كان عليه قبل ثلاثة أسابيع فقط. ترامب دخل الحرب معتقدا أن القوة وحدها ستعيد ترتيب المنطقة، لكنه ربما سرّع الفوضى التي ادّعى أنه قادر على احتوائها.

ياسمين الجمل/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى