الطفل الجنوبي دانييل..

كتب عمر سعيد/ لبنان
“المدارنت”
في البابلية في جنوب لبنان؛ طفل اسمه دانييل يونس..
يعاني هذا الطفل من مشكلات صحية (ضعف نُطق، وضعف في المَشي).
ينفق والده سليم يونس وقته بالكامل عليه، يرافقه إلى كافة أنشطته، ويتابع معه برنامجًا خاصًا لتنمية الثقة بالنفس وتعزيزها.
سليم ليس خبيرًا في متابعة حالة ولده، إلا أنه خبير حب من الطراز الواعي.
في كل يوم؛ يصور لطفله مقطعًا أو أكثر، وينشره على صفحته في منصة “فيس بوك” (مِيتا).
يصر سليم على دعمه المعنوي والعاطفي.
أعرف سليم عن قرب، وأعرف دانييل، وأعرف ظروف العائلة المالية.
سليم مكافح، يخبز لأسرته كلّ يوم رغيف خبزها بعمله المضني في فرز النفايات، وللعلم جعل من البيئة همّه الذي ينقله إلى الناس من دون كلل.
يركب سيارته الرابيد، يصطحب معه دانييل أحيانا، يجمع ما تراكم من “بلاستيك وكرتون”، وينقلها إلى بورة صغيرة خصصها لذلك قبل البيع.
لا يوفر هذا العمل لسليم الكثير من المال، لكنه يوفر له الكثير من الأمل، والكثير من الشعور باحترام الذات..
فليس سهلًا أن تكون أبًا، يحار في قوت طفله الذي يحتاج الكثير من العلاج والتعليم والتنمية والحب والفرح والأمان.
وحده سليم ينجز كل ذلك..
ليس لأن دانييل ابنه الذي يحتاجه، بل لأن سليم كحيوان الكنغر، له جيب في روحه، يحمل طفله فيه من دون كلل.
استيقظ دانييل على صوت القصف، سأل أباه: ما هذا؟
سليم لا يكذب على دانييل، أخبره أنها الحرب..
قبل سنة تقريبًا كان دانييل نازحًا في مدرسة.
اضطره النزوح أن يعيش تجربة الخوف والمبيت في العراء، وأن يتشارك غرفة في مدرسة مع من لا يعرفهم..
كان عليه أن يطلب من أبيه أن يرافقه ليلًا إلى مرحاض يستخدمه نازحون آخرون معه.
سكت دانييل طويلًِا حين سمع كلمة حرب.
نعم هو طفل؛ يتحدّث ببطء، ويمشي ببطء، لكنّه يتذكر بسرعة.
فهل سيعود إلى النزوح؟
في مقطع قصير لدانييل، طلب من أبيه أن يتصل بعمّيْه نمر وفضل، ليطمئن عليهما..
لم يطلب من أبيه شيئًا كبيرّا، أراد أن يطمئن على عمّيْه فقط..
أراد أن يكون من يحبهم بخير.
فهل هذا صعب؟
ما دخل دانييل الذي يعاني ليقول لأبيه: أحـ أحـ أحبك؟
لماذا على طفل في السابعة أو الثامنة أن يسأل ما معنى فرقاطة، وأن يميز صوت الطائرة الحربية عن صوت الصاروخ؟
كيف يمكن أن يفسر سليم لولده إغلاق المدرسة، واختفاء أصحابه الأطفال منها ومن أزقة البلدة وحدائقها؟
وعن فقد الدواء والخبز والأمل.
دانييل طفل أعرفه من جنوب لبنان، وسليم صديق أعرفه من هناك أيضًا..
ما تزال العائلة في البابلية، لأنها عاشت النزوح وباتت تخافه.
لقد كتب سليم تجربته وأصدرها في كتاب سمّاه: “نازح من الجنوب”.
حتى الآن؛ لم يتمكّن دانييل من قراءته، وربما لن يفعل..
لكنّ سليم بين خوفين: خوف من أن يكون للكتاب فصل جديد، وخوف من أن تسلب الحرب كل ما صنعه لدانييل.



