مقالات

حرب الخليج الثالثة ومآلاتها!

“المدارنت”
في اليوم الرابع عشر للحرب بين الولايات المتحدة/ إسرائيل وإيران، يبدو المشهد معقدا تماما، وليس ثمة مؤشرات على أن هذه الحرب ستتوقف قريبا، أو أن نتائجها ستكون حاسمة لأي من الطرفين المتحاربين!

عسكريا، وكما كان متوقعا، فقدت إيران بشكل كامل دفاعاتها الجوية، ولم يعد لديها أي قدرة على مواجهة الهيمنة الجوية للمهاجمين، كما خرجت بحريتها تماما من الصراع، ربما باستثناء الزوارق الصغيرة. وبالتالي لم يعد لدى إيران سوى صواريخها البالستية، وطائراتها المسيرة.

ويبدو واضحا أن لا إمكانية حقيقية للقضاء عليهما، رغم الإدعاءات الأمريكية والإسرائيلية بهذا الشأن، سواء فيما يتعلق بالصواريخ نفسها، أو بمنصات إطلاق تلك الصواريخ. وتعكس الأرقام المتضاربة التي قدمها الرئيس ترامب من جهة، والإسرائييليين من جهة أخرى، هذه الحقيقة، خاصة مع مواصلة إيران قصفها لإسرائيل ودول أخرى بشكل يومي، وهي ستستخدمها بطريقة مقننة لكي تبقى لأطول مدة ممكنة.

كما عمدت إيران أيضا إلى استخدام حزب الله والميليشيات العراقية في توسيع دائرة الحرب، ولتشتيت التركيز عليها. على عكس ما فعلته في حرب الإثني عشر يوما في العام الماضي، حين قررت عدم زجهما في تلك المواجهة.
في المقابل يبدو أن بنك الأهداف في إيران بدأ بالنفاد، وهو ما أكده الرئيس ترامب نفسه، خاصة وأن ثمة قرارا أمريكيا، حتى اللحظة، بعدم استهداف البنية التحتية الإيرانية، لأنه لعب بالنار، لهذا لم يتكرر قصف المنشآت المتعلقة بالطاقة بعد الغارة الإسرائيلية على مخازن الوقود في طهران، خشية قيام إيران بالرد باستهداف البنية التحتية للطاقة في دول الخليج العربي وتحويل الحرب إلى كارثة اقتصادية عالمية، بعد نجاح إيران في منع مرور ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز، وفشل الأمريكيين حتى اللحظة في إعادة الحركة الطبيعية اليه!

سياسيا نجحت إيران في تجاوز اغتيال الولي الفقيه/ القائد (كما يسميه الدستور الإيراني) علي الخامنئي، واغتيال القادة الآخرين، ولم يظهر حتى اللحظة أي اختلال في دوائر صنع القرار السياسي أو العسكري، ولا يجب تحميل التقاطع الذي ظهر بين رئيس الجمهورية وعضو مجلس القيادة المؤقتة مسعود بازشكيان من جهة، والحرس الثوري الإيراني من جهة أخرى، بشأن قصف دول الخليج أكثر مما يحتمل؛ فمن المعروف أن رئيس الجمهورية في إيران لا يملك أي سلطة على القوات المسلحة أو على الحرس الثوري. وربما كان هذا التقاطع أحد أسباب الإسراع باختيار ولي فقيه/ قائد جديد هو مجتبى الخامنئي، من أجل عدم تكرار هذا الأمر. فضلا عن عوامل أخرى ساهمت في هذا الاختيار؛ مثل عدم وجود فقيه كبير لا يمكن تجاوزه، والرغبة في الاحتفاظ برمزية الإسم، ففي النهاية سيبقى الخامنئي هو القائد، وأخيرا قربه من الحرس الثوري الإيراني.

كما فشل الرهان، حتى اللحظة، على دفع الإيرانيين إلى التمرد أو الثورة، أو على تحريك الجماعات المسلحة المعارضة، تحديدا الكردية منها، بشكل جدي للانقضاض على النظام، وهذا ما يفسر تراجع الحديث عن إسقاط النظام كهدف رئيسي: فالنظام الإيراني لا يزال يمتلك جمهورا عقائديا واسعا، خاصة خارج المدن الرئيسية، ولا زلت مصرا على أن العامل الاقتصادي الداخلي وحده، وعلى المدى الطويل، هو الذي سيحسم في النهاية بقاء النظام من عدمه!

اقصاديا تمكنت إيران من خلق أزمة طاقة عالمية حقيقية، بقطعها الملاحة عبر مضيق هرمز، واحتجاز أكثر من 200 ناقلة نفط، وهو ما تسبب برفع أسعار النفط والغاز، ورفع أسعار المشتقات النفطية، تحديدا البنزين (سيما داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يشكل ضاغطا كبيرا على إدارة الرئيس ترامب). وهو ما دفع وكالة الطاقة الدولية إلى إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات الاستراتيجية لتغطية هذا العجز، ويأتي قصف إيران لميناء الفجيرة في الإمارات، وميناء صلالة في عُمان، ليفاقم من هذه الأزمة، لأنه سيمنع البلدين من تصدير نفطيهما من هذين الميناءين الواقعين خارج مضيق هرمز. وهذه الأزمة ستزداد بالضرورة كلما طال أمد الحرب!

في المقابل لا يمكن التعامل مع التصريحات التي يطلقها ترامب حول مسار الحرب على مدار الساعة بشكل جدي؛ فالجميع يتذكر إصراره على نجاحه الكامل غير المنقوص في القضاء على البرنامج النووي الإيراني في حزيران/ يونيو 2025، وامتعاضه الشديد من أي تشكيك بذلك النجاح، ليعود اليوم، وفي سياق تبريره للحرب، ليتحدث عن أن إيران كانت على بعد أسبوعين فقط من إنتاج قنبلة نووية!

وفقا لهذه المعطيات كلها لا يبدو أننا أمام نهاية قريبة للحرب، إلا إذا حصل متغير غير متوقع، مثل قرار مفاجئ من ترامب نفسه بذلك. وهذا يصب في مصلحة إيران بطبيعة الحال، وليس في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل. فبالنسبة لنظام إيديولوجي مثل نظام ولاية الفقيه، سيعدّ بقاء النظام وحده دليلا على النجاح والانتصار، بمعزل عن أي شيء آخر، لاسيما أن موضوع إسقاط النظام كان هدفا معلنا قبل الحرب. وبالتأكيد لن يفكر الأمريكيون بجولة حرب أخرى، على عكس الإسرائيليين، وهو ما سيفرض على الطرفين الرئيسيين، الولايات المتحدة وإيران العودة إلى طاولة المفاوضات بسقف أدنى من شروط مفاوضات ما قبل الحرب.

بعيدا عن إيران، وبعد أن أدخل حزب الله نفسه والدولة اللبنانية في حرب أخرى، وبعد قرار الحكومة اللبنانية بحظر نشاطات حزب الله العسكرية، هل ستكتفي إسرائيل بشروطها السابقة حول انسحاب الحزب إلى ما فوق الليطاني، ونزع سلاحه وفقا لقرار مجلس الأمن رقم 1701 ، خاصة بعد أن أثبت الحزب أنه لا يزال يمتلك قدرات صاروخية مؤثرة، وقدرة على تخزينها بعيدا عن الضربات الإسرائيلية، وقدرة على إطلاقها، وهو ما أثبته من خلال إطلاق 100 صاروخ في دفعة واحدة، أم سنكون أمام شروط أخرى؟

وبعد أن أقحمت الميليشيات العراقية الوكيلة لإيران، نفسها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية مرة أخرى، خاصة بعد الضغوط الأمريكية المعلنة على العراق التي لم تقف عند حدود الميليشيات الوكيلة لإيران في العراق، بل شملت علاقاته السياسية والاقتصادية معها، ووصلت إلى حد إطلاق فيتو على تولي نوري المالكي منصب رئاسة مجلس الوزراء، هل ستواصل الولايات المتحدة هذا الضغط، أم سنكون مرة أخرى أمام تكرار للعبة المزدوجة التي تلعبها مع إيران في العراق منذ العام 2003 بناء على ما تؤول إليه مفاوضات ما بعد الحرب مع إيران؟

لا أحد يستطيع أن يتنبأ بما سيقرره ترامب، لكن بالتأكيد لا ضمانة أنه سيتمكن من أن يفرض شروطه على مآلات الحرب التي بدأها!

يحيى الكبيسي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى