مقالات

«طائرة» ترامب تضرب «أبراج التجارة العالمية»!

“المدارنت”..
فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أول أمس الأربعاء، رسوما جمركية على «العالم أجمع» (180 دولة فيما استثني منها عددا قليلا جدا من الدول مثل روسيا وبيلاروسيا وكوبا) مما أدى إلى ردود فعل سياسية هائلة، واضطراب كبير في الأسواق العالمية أدى لهبوط في أسواق الأسهم والعملات (وعلى رأسها الدولار).

وقبل إعلان قرار ترامب حذّر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دول العالم أجمع من الرد على الرسوم الجمركية «لأن الرد الانتقامي سيؤدي إلى التصعيد»، وقال الوزير مخاطبا قادة العالم: «استرخوا، تحمّلوا الضربة، وانتظروا لمشاهدة كيف سيتطور الوضع، لأن القيام بعمل متهور سيكون غير حكيم»!
التهديد الصريح لوزير الخزانة الأمريكي لم يمنع الصين (التي فرضت عليها رسوم بنسبة 34 في المئة ) من التنديد بما سمته «الطبيعة البلطجية» لهذه القرارات، فيما أعلن الاتحاد الأوروبي (الذي فرضت عليه رسوم بنسبة 20 في المئة) أنه سيفرض ضريبة على الخدمات الرقمية الأمريكية، ورأى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن القرار «جائر ولا أساس له»، كما اعتبر المستشار الألماني أولاف شولتس أن الرسوم «خاطئة جوهريا»، واعتبرت كندا أن الرسوم «ستغيّر جذريا» التجارة الدولية، فيما ندد اتحاد صناعة السيارات الألماني بالرسوم المفروضة وطالب الاتحاد الأوروبي بالرد عليها بقوة كونها «ستسبب خسائر فادحة»، وحذرت طوكيو من انتهاك هذه القرارات لقواعد منظمة التجارة العالمية، وأقر برلمان البرازيل قانونا مضادا للإجراءات، الخ.
سياسة الرئيس الأمريكي الاقتصادية هذه تفترض أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى تعزيز الصناعة المحلية وإعادة تركيز الشركات الوطنية والعالمية في أمريكا نفسها، وهو ما سيؤدي إلى تقليص نسبة البطالة ويعيد الزخم للاقتصاد الأمريكي الذي بدأ يخسر المنافسة مع الصين، كما يفترض أن تؤدي هذه السياسة إلى تقليص العجز التجاري (البالغ 122,7 مليار دولار) عبر خفض الواردات، والأكيد أن إدارة ترامب ستستخدم التداعيات الخطيرة لهذه الرسوم لدفع كبار دائنيها، وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوروبي، لإعادة التفاوض، وهي عملية ستحصل بالتأكيد بعد هذه الإجراءات، لتحميلها جزءًا من الفاتورة الأمريكية.
الأمريكيون (كما تقول مقالة قسم الاقتصاد في عدد أمس من صحيفة «نيويورك تايمز») هم «أكثر غنى من أي وقت سابق»، ومعدل البطالة بينهم عند حده الأدنى منذ ثلاث سنوات، ومستوى الدين مقارنة بالممتلكات هو بمستوى تاريخي متدن، فإن التفاوت الاقتصادي بين الأمريكيين هائل، فنسبة الثروة التي يمتلكها عشرة في المئة من الأمريكيين تعادل 69 في المئة من الثروة العامة، فيما يمتلك نصف عدد السكان من الشريحة الأدنى ما نسبته 3 في المئة فقط.
تعكس هذه الأرقام سياسات اقتصادية أمريكية راسخة تحابي الأثرياء وتفقر الفقراء، وهي مرتبطة، بشكل بنيوي، بالأعطاب البنيوية للاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من مشاكل خطيرة، حيث يبلغ عجز الميزانية 33,1 تريليون دولار، فيما يبلغ العجز الخارجي 7,7 تريليون (وكلاهما الأعلى في العالم).
الحلّ، بالنسبة لمليارديرات مثل ترامب نفسه، وحلفائه الكبار مثل إيلون ماسك (وزير الكفاءة الوطنية) وجيف بيزوس (صاحب «أمازون») يتم بالطريقة نفسها التي يدار بها الاقتصاد الأمريكي، ولكن، هذه المرة، عبر تحميل العالم كلّه مسؤولية الدفع، لكن الخسائر الكبرى ستدفعها طبعا الدول الأكثر فقرا وضعفا في العالم، وستكون طبقاتها الأكثر هشاشة وفقرا، هي الأكثر تعرضا للتداعيات الخطيرة.
اعتبر ترامب يوم توقيعه هذا القرار «يوم تحرير أمريكا» و«أهم الأيام في التاريخ الأمريكي»، الذي سيدشن «العصر الذهبي لأمريكا»، فيما رأى شركاء وحلفاء الولايات المتحدة الكبار أن هذه حرب «لا أحد ينتصر فيها. الجميع خاسرون» (الدنمارك) وأنها «ستؤدي إلى إضعاف الغرب» (إيطاليا) وأنها «كارثة» لأوروبا وللولايات المتحدة (فرنسا).
وصفت بعض وسائل الإعلام الحرب التي يقوم بها ترامب بـ«أم المعارك» التجارية، في استعادة للجملة الشهيرة المرتبطة بالحرب الكارثية الأمريكية على العراق عام 2003، وهو تذكير أيضا بأنها كانت ردا انتقاميا رهيبا (وغير قانوني) على هجوم تنظيم «القاعدة» الانتحاري على «برجي التجارة العالمية» في نيويورك عام 2001، وبهذه الإحالات التاريخية لا يبدو أن ترامب يستدعي مشهدية شنّ «أم المعارك» فقط، بل يستدعي أيضا فكرة ضرب «أبراج» التجارة العالمية كلها بقرار «انتحاري»!

رأي “القدس العربي” اليوم
المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى