ظروف إقتصادية وسياسية تدفع الدول لتبديل عملتها الوطنية!

خاص “المدارنت”
ترتبط خطط تبديل أو تغيير العملات الوطنية بالسياسات النقدية والمالية للدولة ،وبالمؤسسات المالية المبنية على مراسيم وقوانين صارمة، تعطي العملة قوتها وثباتها في سوق الصرف، فالعملة الوطنية من أهم الأوجه السيادية للدولة.
من اول خطوات تغيير العملة الوطنية أو استبدالها تقوم على وضع دراسة شاملة موسعة تأخذ بعين الأعتبار ان تغييرها خطوة سيادية عالية المخاطر بحاجة مسبقة لإصلاح مالي ونقدي متكامل، فتغيير أو استبدال العملة القديمة بجديدة، يتطلب إعادة هيكلة السياسة النقدية والاقتصادية للبلد وإيجاد الحلول من مشكلات التضخم او التزوير وتحسين سعر الصرف على المدى المنظور، فالتغيير يلغي كل شيء بصري من الورق والألوان والشكل والمعالم ويرسم عملات جديدة كاملة مختلفة ،والاستبدال ممكن ان يحافظ على بعض التقنيات لكن كلفة الطباعة واحدة وهي تأخذ بالحسابات الخاصة بقيمة ورقة النقد.
وهنا نحن بحاجة إلى الإجابة على مجموعة من التساؤلات التي تستوجب الرد بخصوص الأزمات الأقتصادية والسياسية والمالية التي تفرض الحاجة لتبديل أو تغيير العملة.
ومن جملة هذه الضغوطات التي استوجبت التغيير أو التبديل:
– فقدان العملة لقيمتها الشرائية، وظهور أزمات أقتصادية طويلة الأمد منها التضخم، فقدان القوة الشرائية للعملة الوطنية، وتطلب تبديل العملة أو حذف عدد من الأصفار منها، قرار سيادي اقتصادي مدروس يهدف للخروج من هذه الأزمات، المتمثل أغلبها بالأتي:
– أزمات سياسية، ثورات، وانفصال دول عن الدولة الأم كدول الاتحاد اليوغسلافي، تشيكوسلوفاكيا، دول الاتحاد السوفيتي ودولة جنوب السودان، و.. كثير، مما استدعى حلها تغيير العملة بأوراق نقدية جديدة تظهر رمز للدول الجديدة.
– كما تضطر أحيانا بعض الدول بداعي مشاكل التضخم وضعف القوة الشرائية، بإصدار عملات بأصفار أقل وهذا ما تلجأ اليه البنوك المركزية لهذه الدول، معتمدة على توصيات واردة بدراسات لبعض خبراء الاقتصاد، أو الاخذ من تجارب قامت بها دول أخرى للهروب من التضخم وانخفاض القوة الشرائية للعملة، معتبرة أن هذا الحل قرارًا سياديا، أعتمد بعد ان تبين من خلال الدراسات الجدية الموضوعة بالخصوص، وأنه سيؤدي إلى تحسين في الوضع الاقتصادي الشامل، وأنه بالوقت نفسه لا يشكل أي عارض على السياسات النقدية والمالية للدولة، وهنا يجب الإشارة إلى ان بعض هذه الدراسات الاقتصادية قد تؤدي إلى سقوط حر للاقتصاد والنقد المالي للدولة وهذا السقوط لا يحمد عقباه ولا يمكن تجاوزه دون خسائر كارثية.
– كذلك تلجأ بعض الدول إلى تغيير عملتها بهدف مكافحة التزوير الذي وقع على عملتها الأمر الذي أدى بصعوبة بمكان الاستمرار في ترك عملتها بالتداول لارتفاع عامل الخطورة، وبالتالي، إصدار عملات جديدة بعامل أمان أعلى يجعل عملية التزوير من جديد صعبة.
– يرى بعض خبراء الأقتصاد ان وضع خطط لسياسات اقتصادية جديدة في بلد ما، يتطلب تغيير العملة أو تبديلها، بهدف إظهار ملامح هذه التغييرات الأقتصادية وان تغيير العملة دلالة على بداية العمل بهذه التغيرات الاقتصادية، وبهذه الحالة يجب أن تكون هذه السياسات جذرية تشمل كافة القطاعات الأقتصادية والمالية والنقدية لتظهر ملامحها على السوق الداخلي ودول الجوار، وتشجع المستثمرين من رؤوس أموال محلية وأجنبية.
– بغض النظر عن الازمات الأقتصادية، أو عن التغييرات الحاصلة بأنظمة الحكم، أو عن تشكل دول نتيجة حركات انفصالية استدعت تغيير عملاتها او إطلاق عملات جديدة. بغض النظر عما ذكر هنا أعلاه فأن اتحادات اقتصادية حول العالم بالاتفاق فيما بينها وبالاجماع على توحيد عملاتها الوطنية وتغيرها بعملة واحدة كما حصل في الاتحاد الأوروبي، وهناك أيضا دراسات لمجلس التعاون الخليجي، لتوحيد العملات الوطنية بعملة واحدة، وكذلك تحاول دول البريكس جاهدة في هذا الخصوص من دون تفاهم حتى تاريخه.
– ان تغيير أو استبدال العملة يبنى على اساس قطاع نقدي ومالي متين يأخذ بالحسبان توفر السياسات والمتطلبات اللازمة لإجراء مثل هذه الخطوة، من اختيار ورق العملة الجديدة الى صعوبة إنتاجه عند مافيات التزوير، إلى تصاميم ومعالم تعطي الوجه التاريخي للبلد أو ما يميزها على مر العصور، إلى اختيار الألوان باحترافية مطلقة أهمها ان تميز بشكل واضح وصريح الفئات النقدية، ومن ثم مقاسات الأوراق النقدية المختلفة حكما بين فئات العملة، إلى وضع خطط مدروسة بجدول بياني يتضمن مراحل طرح العملة الجديدة بالأسواق والتعايش بين القديم والجديد ومدته وكيفية كسب ثقة السوق بالتعامل بها، وكميات التبادل الواجب سحبها من العملة القديمة كي يبقى المطروح بالسوق من العملات الجديدة والقديمة يغطي قيم التداول والكادر الخاص بكل ما ذكر أعلاه هنا، يوضع مع القيم والتكاليف والميزانية الواجب إعدادها بما فيها تكاليف الطباعة وصك العملات الجديدة ورقية كانت أو معدنية.
وهنا نعطي لمحة عن بعض الدول التي استبدلت عملتها: شهدت العديد من الدول حول العالم إصلاحات نقدية، لا سيما خلال فترات الاستقلال أو إعادة البناء الاقتصادي، سواء عبر استبدال العملات الأجنبية أو المتداولة محليا من عملات نقدية معدنية أو ذهبية وفضية بعملات وطنية، أو بهدف إعادة تقييم عملاتها، أو لأنهاء مرحلة سياسية مُعينة يُراد شطبها، بكل إرثها واتخاذ قرار لاعطاء بداية لمرحلة جديدة.
ومن بعض هذه الدول:
– ليبيا: 1980 تبديل عملتها الدينار بدينار جديد بنفس القيمة السوقية لكن بلون جديد بأسلوب أفلس أغلب رجال الأعمال الليبين أو الأجانب التي كانت أموالهم خارج البنوك حيث باستبدال من اموال خارج البنوك فقط 1000 دينار للمواطن.
– الأرجنتين: تبديل العملة الاسترال بجديدة البيزو، وذلك على قاعدة كل واحد بيزو بـ10000 استرال عام 1990.
– العراق: بعد احتلال العراق عام 2003، وسقوط نظام صدام حسين، أصدرت السلطة العراقية الجديدة عملة جديدة، عُرفت باسم الدينار العراقي الجديد، لاستبدال العملة العراقية بأخرى جديدة، وبنفس المسمى الدينار بمن دون صور صدام حسين.
– السودان: استُبدل الدينار السوداني، بالجنيه السوداني، عام 2007، وفقًا لاتفاقية السلام الشاملة الموقعة عام 2005 مع جنوب السودان.
– اليمن: كان الدينار مستخدما في جنوب اليمن، والريال في شماله قبل توحيد البلاد عام 1990، ليصبح الريال اليمني، لاحقًا، هو العملة الوطنية الموحدة.
الكويت: قامت بطباعة عملتها عام 1961، واستبدلت الجنيه البريطاني بالدينار الكويتي، الذي تعادل قيمته 2.48 غرام ذهب،
– تركيا: استبدلت عملتها عام 2005، حيث بلغ التضخم أرقام غير مسبوقة فاستبدلت مليون ليرة قديمة بليرة جديدة، أي بحذف 6 أصفار، وأطالت فترة التداول بالعملتين القديمة والجديدة مدة 5 سنوات.
– بلغاريا: اعتبارا من يناير 2026، تستبدل وحدة “الليفا” بـ”اليورو”، ويطبع على أراضيها حسب السياسات المالية لدول اليورو.
وغيرها من دول كثيرة بافريقيا وأسيا، استبدلت عملاتها بكل تغيير سياسي، أو حروب أهلية ، أو تدهور اقتصادي فرض تبديل العملات مع الحفاظ على حجم القيمة السوقية للنقد ، أي يطبع من العملة الجديدة فقط ماكانت تعادل القيمة القديمة بسوق الصرف.
– هذا وقام الفيدرالي الأمريكي بصك اول دولار فضي عام 1794، وطباعة العملة الأمريكية الورقية الدولار عام 1861, وتطبع كل الفئات الورقية من الدولار بالمطبعة الخاصة بواشنطن.
ولا توجد أرقام ثابتة عن معدل الطباعة في أمريكا لأرتباطها بعدة عوامل منها معدلات التضخم ،اذونات خزانة ،تكلفة الطباعة ،والأزمات التي تمر بالعالم كأزمة الكوفيد تم طباعة 3.3 ترليون عام 2020, و 13 ترليون عام 2023، وبتكلفة تتجاوز مليار دولار سنويا” .
تشير بيانات الاحتياطي الفدرالي الأميركي ان تكلفة طباعة الاورق النقدية الدولار تتدرج من 3.2 – 4.5 – 5.4-7.5-9 سنت صعودا” حسب قيمة الورقة النقدية، أما فئة 100 دولار، تبلغ التكلفة من 11.5 سنت إلى 15 سنت، حسب ما تتضمن الورقة النقدية من حمايات ضد التزوير ترفع التكلفة، وهذا ماحصل مع طباعة فئة 100 دولار الأمريكي الجديد، عام 2013، حيث ارتفعت درجات الأمان بورقة 100 الجديدة.
كما ان ما يسمى بعملية التيسير الكمي (QUANTITATIVE EASING) وهي سياسة يشتري بها الفرد الأميركي أصولا مالية بمليارات الدولارات، لضخ سيولة، وعكسها يسمى (QUANTITATIVE TIGHTENING) التشديد الكمي كما حصل بعام 2022 نحيث تم سحب السيولة الزائدة التي تم ضخها بعد جائحة كوفيد بحجم تقليص الميزانية بلغ 2.4 ترليون $، على ان ينتهي التشديد الكمي بنهاية 2025. هذا وتعتمد كثير من الدول هذه النظريات الأقتصادية وتقوم بشراء سندات وأصول مالية وخاصة من بنك الدين العام فترتفع المديونيات الحكومية إلى أرقام قياسية كما هو الحال بأمريكا والصين ودول أوروبية والسعودية وغيرها كثير وهي خطط معتمدة بدل من طباعة عملات نقدية.
هذا وتطبع الدول الأوروبية التي تعتمد اليورو عملتها السيادية بقيمة واحدة وكل بنك مركزي لكل دول مسؤول عن طباعة عملته الوطنية برموزها التي تشكل البصمة الوطنية للدولة. وهناك عدد من الدول العربية، تمتلك مطابعها الخاصة منها مصر بدأت بسك اول عملة فضية وذهبية 1834 ثم الـ50 قرش معدني قابل للتبديل لذهب عام 1899 ، والعملة الورقية 1967 الجنيه, والسعودية منذ 1953 طبعت مايسمى إيصال الحجاج من فئة 1,5,10 ريال ثم بعام 1968 أكملت الطباعة وهكذا، والمغرب بدأت مطبعتها الخاصة في 1987 الدرهم، والجزائر 1964 الدينار، وبعض الدراسات توضح ان السودان تطبع عملتها بمطبعتها الخاصة.
وتعتبر طباعة العملة الوطنية بمطبعة الدولة الخاصة موضوع سيادي بحت يدار من قبل البنوك المركزية للدولة نفسها.
– هذا ومن الشروط والأحكام القاسية والتكلفة ماديا، وبكثير من الأحيان تكون سبب بتخفي النمو، التي تفرض على الدول تبديل عملتها تزوير العملة محليا أو خارجيا، وانتشارها بسوق النقد المحلي مما يخفض من قيمتها ويتطلب تبديلها وتغيرها معتمدا على توصيات صندوق النقد الدولي لما لها من تأثير سيء على اقتصاد الدولة، وعادة ما تعتمد الدول التي لاتملك مطابعها الخاصة على شركات متخصصة بطباعة العملات، حيث تضع مثبطات أمان عالية الدقة يكون في أغلب الأحيان من صعب تزويرها ومع إرتفاع عامل الأمان ارتفعت التكلفة، ومنها شركات ألمانية، بريطانية، سويسرية وفرنسية.
تعتبر العملة الوطنية لأي دولة بصمة سيادية لا يمكن الاتصال الوقوف عندها، وعدم تجاهلها أو تهاون بجذورها وسرمديتها، فهي رمز يدل على سيادة وتاريخ الدولة ويعطي صورة كاملة عن حضارتها.



