مقالات

متى ينزل ترامب عن الشجرة؟

“المدارنت”
تملك أمريكا أكبر اقتصاد في العالم، وتشترك، بجيشها الأقوى عالميا، مع إسرائيل، التي يبلغ حجم اقتصادها 583 مليار دولار، وتنفق قرابة 47 مليار دولار على جيشها، في حرب على إيران، التي تملك اقتصادا متوسط الحجم ينوء بالعقوبات الغربية عليه ويبلغ قرابة 360 مليار دولار، تنفق الدولة قرابة 8 مليارات دولار (ما يعادل 2% من اقتصادها) على جيشها.

تمكن الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي في اليوم الأول من اغتيال رأس النظام الإيراني، مرشد الجمهورية علي خامنئي، وكبار القادة العسكريين والأمنيين، وفي غضون 36 ساعة من الهجوم أطلق التحالف الأمريكي – الإسرائيلي 3000 قذيفة موجهة وصاروخ اعتراضي، وفي الأيام الستة الأولى تمكن من استهداف كبير لأنظمة الدفاع الجوي ووسائل الكشف، وقام بضرب منظومة الصواريخ بعيدة المدى وتدمير مئات من منصات الإطلاق والصواريخ. تدخّلت الولايات المتحدة بكل قوتها وبكثافة عالية أول أمس الثلاثاء لتدمير الصناعات الدفاعية على اتساع الرقعة الجغرافية لإيران.

بانتخاب مجتبى خامنئي، رغم أنباء تؤكد إصابته خلال الهجوم الذي أودى بأبيه، تمكن النظام في طهران من استدراك تداعيات الضربة التي كانت أمريكا وإسرائيل تأملان أن تقوم بضعضعة القيادة الإيرانية وفتح الطريق لما يشبه “سيناريو فنزويلا” ونزول الجماهير الإيرانية للشوارع ضد النظام. على المستوى العسكري تمكنت إيران، في رد الفعل الأول على الهجوم من تدمير منظومة الرادارات الأمريكية في الخليج التي تقدر قيمتها بمليار دولار وتحتاج سنوات لترميمها، كما تمكنت من الإضرار بالقواعد العسكرية، وهو أمر يكلّف أيضا سنوات من العمل لاستعادة قدراتها.

استهدفت إيران أيضا دول الخليج العربي، فتضرّرت حقول ومصافي نفط ومصانع وموانئ وخطوط أنابيب غاز، كما استهدفت مضيق هرمز، مما أضعف بشكل كبير جدا، حركة الناقلات والسفن، فرفعت أسعار الطاقة ومنتجاتها، وتعرقلت سلاسل التوريد، وانخفضت أسواق الأسهم، مما اضطر وكالة الطاقة الدولية لإطلاق 400 مليون برميل نفط، وأعلنت اليابان وألمانيا السحب من مخزوناتهما النفطية الاحتياطية، واتخذت حكومات عديدة إجراءات تقنين أو زيادات في أسعار البنزين والديزل والغاز.

أدت هذه التداعيات، عمليا، إلى سقوط دعوى الحماية الأمريكية لدول الخليج، وهو ما انعكس في تصريحات لشخصيات سياسية وفكرية وإعلامية شهيرة نددت بجرّ واشنطن وتل أبيب المنطقة إلى حرب رغم إعلان دول الخليج رفضها لهذه الحرب، وقيامها بضغوط دبلوماسية لمنعها، وتجلت المفارقة بانتقاد السيناتور الأمريكي الجمهوري، ليندسي غراهام، السعودية ودول الخليج وتساؤله عن سبب إبرام اتفاقية دفاع معها إذا كانت ترفض المشاركة في الحرب، وبذلك صار مطلوبا من دول الخليج حماية أمريكا وليس العكس!

إضافة إلى مخاوف قيادة ترامب من التذمر الشعبي من ارتفاع أسعار منتجات الطاقة وانعكاس ذلك على التصويت في الانتخابات النصفية المقبلة، فإن إعلاميين شهيرين مثل تاكر كارلسون وجو روغان، كشفا مظاهر غضب داخل قاعدة مؤيدي ترامب ضمن ما يسمى “حركة ماغا”، نتيجة نكوص الرئيس الأمريكي عن شعارات عن وقف الحروب، وانتقاداته لغبائها وعبثيتها، بحيث وجد المؤيدون أنفسهم أمام حرب غير مفهوم سبب شنها وليس معلوما ما هي الأهداف منها، وأمام قلق من أنها قد تتحول إلى حرب لا نهاية لها، كما حصل في فييتنام وأفغانستان والعراق، وخصوصا مع إعلان البنتاغون أرقاما تشير إلى إصابة 140 جنديا أمريكيا.

النتيجة أن ترامب، كما تقول افتتاحية صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، يواجه خيارات صعبة للخروج من الحرب، وهو ما يفسّر التناقضات المتواصلة في تصريحاته، بين الحديث عن إعداد العدة لإنهاء الحرب “لأنه لم يعد هناك شيء للقصف”، وبين الحديث عن عدم التراجع “حتى يهزم العدو هزيمة كاملة”!

إضافة إلى العناصر آنفة الذكر، تدرك إدارة ترامب أن سقوط النظام الإيراني غير وارد إلا بغزو بري لا أحد يعرف أكلافه النهائية، أو زمن تحقيقه لهذا الهدف البعيد، وواضح أن إسرائيل كانت، وستظل، الطرف الرئيسي الذي سيسعى لإطالة أمد الحرب، لكنّ مصالح أمريكا، ودول الخليج العربي، والعالم، ستكون في موضع السعي لإنهائها.
ضمن هذه المعادلة سيتحدد إن كان قرار ترامب بإنهاء الحرب قد اقترب أو ما يزال بعيدا.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى