مقالات

أول دراسة علمية مستقلة تكشف حجم الإبادة في غزة!

د. فضيل حمود/ فرنسا

خاص “المدارنت”
في ظل حرب مدمرة امتدت على قطاع غزة، صدرت عن مجلة “ذا لانسيت – The Lancet Global Health”، العلمية الطبّية الأولى في العالم، أول دراسة علمية مستقلة؛ تهدف إلى تقدير الكلفة البشرية للحرب باستخدام بيانات ميدانية مباشرة، بعيدًا عن سجلات المستشفيات الرسمية التي غالبًا ما تكون ناقصة.
تمثل هذه الدراسة خطوة غير مسبوقة لفهم حجم المأساة الإنسانية بطريقة منهجية وعلمية، بعيدًا عن الجدل السياسي والدعاية الإعلامية.

أجرى فريق البحث دراسة مسحية سكانية مقطعية
(Population-Based Cross-Sectional Study) شملت 2000 أسرة، تضم 9,729 فردًا، خلال الفترة بين ديسمبر 2024 ويناير 2025، لتقدير عدد الضحايا بين 7 أكتوبر 2023 و5 يناير 2025. اتبعت الدراسة منهج المسح العنقودي متعدد المراحل (Multi-Stage Cluster Sampling Methodology).

أسفرت النتائج عن تقدير حوالي 75,200 وفاة عنيفة (وفيات نتيجة القصف والقتال مباشرة)، مع نطاق ثقة إحصائي يتراوح بين 63,600 و86,800 وفاة.

للمقارنة، أعلنت وزارة الصحة في غزة؛ لنفس الفترة عن نحو 49 ألف وفاة. الفارق البالغ نحو 35% لا يشير إلى خطأ رسمي أو مبالغة، بل إلى اختلاف في المنهجيات. فالوزارة تعتمد أساسًا على الوفيات المسجَّلة رسميًا في المستشفيات، في حين يعتمد المسح على مقابلات مباشرة مع الأسر، ما يسمح باحتساب أرقام مَن قضوا تحت الأنقاض، أو في مناطق يصعب الوصول إليها، أو الذين لم تُسجَّل أسرهم في أي قاعدة بيانات رسمية.

العمل الميداني لم يخلُ من صعوبات: تعذر الوصول إلى مناطق واسعة في شمال غزة ورفح بسبب القتال، وصعوبة تسجيل الأسر التي أُبيدت بالكامل، والعمل تحت القصف والنزوح الجماعي. ورغم هذه القيود، اعتمد الباحثون نطاق ثقة شفافًا يعكس حدود العمل الميداني من دون المبالغة في الأرقام، ما يمنح الدراسة مصداقية علمية عالية.

أظهرت الدراسة أيضًا، أن النساء والأطفال وكبار السنّ شكلوا أكثر من نصف القتلى، وهو نمط “ديموغرافي” يتقاطع بشكل كبير مع بيانات وزارة الصحة، ما يعكس استهداف المدنيّين على نطاق واسع.

كما رصدت الدراسة 16,300 وفاة غير عنيفة (بسبب الأمراض، نقص الرعاية الصحية، الحوادث.. إلخ) ناجمة عن انهيار النظام الصحي ونقص الغذاء والدواء، منها 8,540 وفاة زائدة مقارنة بالعدد المتوقع في ظروف سلمية. إضافة إلى ذلك، تم تسجيل نحو 12,200 مفقودًا، معظمهم من الرجال بين 18 و64 عامًا، مع احتمال وفاة نسبة كبيرة منهم، ما يوضح أن الكلفة الإنسانية تشمل أبعادًا أوسع من مجرد القتل المباشر.

بالنسبة للرأي العام الغربي، تحمل الدراسة رسائل قوية ومباشرة:
1- الاستناد إلى منهج علمي محكَّم: كونها صادرة عن مجلة دولية مرموقة يعزز مصداقية البيانات مقارنة بالسجلات الرسمية أو التصريحات السياسية.
2- كشف فجوة كبيرة بين الإحصاء الرسمي والحقيقة الميدانية: مما يضع النقاش حول الحصيلة البشرية للإبادة في إطار علمي، لا سياسي فحسب.
3- تسليط الضوء على المدنيين الأكثر هشاشة: النساء والأطفال وكبار السنّ كانوا نصف الضحايا على الأقل، ما يثير أسئلة أخلاقية وسياسية حول المسؤولية عن حماية المدنيين.

الدراسة ليست نهاية الحسابات (دخل وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 19 يناير 2025)، وليست حكمًا قضائيًا، لكنها تمثل أول محاولة علمية مستقلة لقياس حجم الإبادة الإنسانية في غزة. في عالم تتنازع فيه الأرقام والدعاية، يقدم البحث العلمي أداة دقيقة لفهم الواقع، وتحديد المساءلة، وإعادة النقاش إلى جوهره: عدد الضحايا الحقيقي، وحقيقة ما يجري من مأساة إنسانية تتطلب تقييمًا أخلاقيًا وسياسيًا على مستوى العالم.

الدراسة تمثل دعوة للرأي العام وصانعي القرار على حد سواء: العودة إلى الحقائق العلمية، وفهم أن الحصيلة الرسمية ليست بالضرورة الرقم الكامل، وأن آلاف الأرواح المفقودة والضحايا تحت الأنقاض؛ تُعد جزءًا من مأساة أكبر تحتاج إلى الاعتراف الدولي والعمل الإنساني الفوري.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى