الأزمة السياسية في تركيا وموقف الغرب منها!
“المدارنت”..
تمكن حزب الشعب الجمهوري المعارض من جمع ما ينوف على مليون ونصف مليون مواطن في التجمع الاحتجاجي الذي نظمته يوم السبت الماضي في منطقة مالتبة في إسطنبول (في حين تتحدث مصادر الحزب عن أكثر من مليونين). في كل الأحوال الحشد الجماهيري كان مهولاً ربما لم تضاه أرقامه أي مناسبات سابقة.
أضيف هذا إلى ما يشبه الاستفتاء على ترشيح أكرم إمام أوغلو في التصويت المفتوح للعموم الذي أجراه الحزب على هامش انتخابات تمهيدية لاختيار مرشح الحزب، شارك فيهما أكثر من 15 مليون طوعاً. وبدأ الحزب بحملة جمع توقيعات مفتوحة للمطالبة بإطلاق سراح رئيس بلدية إسطنبول المعزول والموقوف على ذمة قضايا فساد، وللمطالبة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. كما أطلق الحزب حملة لمقاطعة وسائل الإعلام الموالية التي تتجاهل أنشطة المعارضة والشركات التجارية التي تقف وراءها، بلغت ذروة غير مسبوقة في حملة «مقاطعة الاستهلاك» ليوم واحد حددته في 2 نيسان، أي بعد العيد مباشرةً.
باختصار تحولت الحركة الاحتجاجية على اعتقال إمام أوغلو ورؤساء بلديات فرعية في إسطنبول من حزب الشعب الجمهوري إلى حركة احتجاج واسعة تجاوزت الحزب إلى بيئات اجتماعية لا سوابق لها في الفعل السياسي، لينفتح الوضع على احتمالات لا يمكن التكهن بها. ترى هل تتراجع السلطة أمام الحركة الاحتجاجية فتطلق سراح من اعتقلتهم على أن يحاكموا طلقاء وتبحث عن وسائل توافقية تنهي الاستقطاب الحاد وتلجم آثاره الاقتصادية السلبية؟ أم تزداد تشدداً وتمضي باتجاه حظر نشاط حزب المعارضة الرئيسي وتقطع الطريق أمام تدهور الوضع أكثر؟ هذا ما سنراه في الأيام والأسابيع المقبلة. أما الانتخابات الرئاسية المبكرة التي يطالب بها حزب الشعب الجمهوري، فلا يمكن أن يتم اعتمادها ما لم تقرر السلطة ذلك، وهو أمر مستبعد في الظروف الحالية.
من جهة أخرى أثرت «حادثة إمام أوغلو» سلباً على المبادرة التي أطلقها دولت بهجلي وأدت إلى إصدار أوجلان نداء لحزبه يطالبه فيه بالتخلي عن السلاح وحل نفسه. فالأوساط السياسية الكردية رأت في تلك التطورات مناخاً غير مناسب للمضي قدماً في المبادرة السلمية. وطرحت القيادة الميدانية لحزب العمال الكردستاني شروطاً للتجاوب مع نداء زعيمها التاريخي السجين. وظهر هذا الأثر السلبي بوضوح في امتناع أوجلان عن توجيه رسالة إلى جمهوره في احتفالات عيد النوروز في ديار بكر كما كان قد وعد.
ماذا عن الموقف الدولي مما يجري في تركيا، وبالذات الموقفان الأمريكي والأوروبي؟
تبدو السلطة مرتاحة إلى حد كبير من هذه الناحية. فقد صدرت ردود فعل طفيفة لا تصل مستوى ما يمكن وصفه بالضغط كحال مواقف الدول الغربية من شؤون داخلية تركية في سنوات سابقة. ثمة ميل عام اليوم لاعتبار ما يحدث شؤوناً داخلية لا تؤثر على علاقات تلك الدول مع السلطة في تركيا، وهذا ما يريح الأخيرة.
جرت مكالمة هاتفية بين أردوغان وترامب، قبيل حادثة اعتقال إمام أوغلو وزملائه بيومين، لم تصدر بيانات رسمية بشأن محتواها. لكن مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف أدلى بتصريحات، بعد بضعة أيام، تحدث فيها عن تلك المكالمة فوصفها بأنها «ستشكل نقطة تحوّل» في العلاقات بين البلدين بالمعنى الإيجابي، وأضاف قائلاً: «سوف تسمعون أخباراً طيبة من أنقرة في الأيام القادمة» من غير أن يوضح ما يمكن أن يكون قد اتفق عليه الرئيسان. فشاعت التكهنات بشأن تلك «الأخبار الطيبة» في وسائل الإعلام التي ركز المحللون فيها على ملفات الحرب في غزة، ومستقبل إنهاء الحرب الروسية في أوكرانيا، والملف السوري. كما تناولت التكهنات إعادة تركيا إلى برنامج طائرات إف 35 التي سبق للرئيس الأمريكي أن أخرجها منه في ولايته الأولى رداً على شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية إس 400 في إطار عقوبات «كاتسا» التي تطبق عادةً على دول تعتبرها واشنطن معادية. يمكن القول إذن إن واشنطن بصدد إقرار دور إقليمي فاعل لتركيا بما يتسق مع سياساتها.
أما الأوروبيون فقد دخلوا في مناخ ما بعد التوافق الأمريكي- الروسي حول أوكرانيا وانعكاساته الأمنية المحتملة على أوروبا. بكلمات أخرى يواجه الأوروبيون موقفاً لا سابقة له منذ الحرب العالمية الثانية يتمثل في تخلي واشنطن عن حمايتها الأمنية في مواجهة أطماع توسعية روسية باتت القناعة بشأنها شائعة في الرأي العام. لذلك فقد بدأوا البحث عن وسائل دفاعية ذاتية من خلال زيادة موازنات الدفاع والتصنيع الحربي من جهة، والبحث عن حلفاء يمكن الاعتماد عليهم لسد الفراغ الذي ستتركه الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب.
وتدور أفكار بشأن استمالة تركيا لسد هذا الفراغ بوصفها صاحبة ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي. هذا يعني أن نوافذ فرص جديدة تفتح أمام القيادة التركية سواء من واشنطن أو الاتحاد الأوروبي. وسيكون أمام القيادة التركية خيارات يمكنها الموازنة بينها، فإذا مضت في توافقاتها مع واشنطن بشأن أوكرانيا قد يترتب على ذلك تقارب مع روسيا أيضاً على حساب الدور الأمني الذي قد تقترحه أوروبا في مواجهة موسكو. في حين إذا اختارت القيادة التركية الاقتراب من الهواجس الأمنية الأوروبية فمن شأن ذلك أن يبعدها من التفاهمات المحتملة مع واشنطن وموسكو.