مقالات

الثّورة المضادة من مرسي إلى الشّرع!

الرئيس السوري أحمد الشرع

“المدارنت”..
بلا شك أنّ كثيرين يقارنون بين حكم د. محمد مرسي في مصر، وأحمد الشّرع في سوريا، وأكثرهم متخوّفون من تكرار ما حدث في مصر، أن يعاد في سوريّا. كلاهما أتيا في الحقبة والخلفية نفسها، فقد أفرز الرّبيع العربي ثورة يناير في مصر عام 2011 التي أطاحت بـ(الرئيس المصري الراحل) حسني مبارك، وما لبثت أن اندلعت الثورة السّورية في مارس من العام نفسه. استقال حسني مبارك، بعد سقوط عدد قليل نسبياً من الضحايا، الذي وصل إلى بضع مئات.

في سوريا، وُوجهت الثّورة بعنف أكبر، ثم بتدخّل قوى خارجية، وأُغرقت في الدّماء، وأدت إلى مقتل مئات آلاف السوريين، وتهجير ملايين منهم.
تولى محمد مرسي، رئاسة مصر بعد انتخابات ديموقراطية، حصل فيها على أكثر من نصف أعداد المصوّتين، في الجولة الثانية من الانتخابات في شهر يونيو عام 2012، حيث فاز فيها مرسي بحوالي 52% من الأصوات، مقابل 48% لمنافسه أحمد شفيق.
إلا أن الثّورة المضادة، بدأت التحرّكات من الداخل والخارج للإطاحة بمرسي، فراحوا يطالبونه بتحقيق ما لم يتحقّق على مدار عقود من حكم حسني مبارك. استغلّ المنقلبون حريّة التّعبير التي كانت محدودة جدا في زمن مبارك، وما سبقه، وتفنّنوا في التّحريض على الرّئيس المنتخب، وافتُعلت أزمات كهرباء وغاز ووقود سيارات، وانفلات أمني مخطّط.
وتم التّحريض وإخراج مظاهرات شعبية ضدّ مرسي، إلى أن حدث الانقلاب في الثالث من يونيو 2013، وأعلن المجلس العسكري برئاسة عبد الفتاح السّيسي عزل الرّئيس الشّرعي مرسي، ثم سجنه ظلماً بتهمة “التخابر مع «حماس» وقطر”، والحكم عليه بالسجن المؤبد، ثم تخفيضه إلى عشرين عاماً، حتى توفّاه الله في سجنه عام 2019.
ما يجري في سوريّا، الآن، هو السيناريو نفسه مع اختلاف في التفاصيل.
جوقات التّحريض بدأت أولا بشيطنة الشّرع، وذلك أنّه “داعشي” سوف يجز الرؤوس ويغتصب النساء ويحرّم الفرح والغناء، وهو طائفي سيضطهد الأقليات، بعدما كانت تعيش “متآخية بسلام ووئام من غير تمييز”، ولكنّ هذه المزاعم تبدّدت بسرعة، واحتفلت الجماهير السّورية في الشّوارع بنهاية حقبة آل الأسد والبعث، وبدأت سوريا في التّململ واستعادة روحها، والعودة إلى حياة تليق بالشّعب السّوري.
زعموا أنّه عميل صهيوني ومدسوس على طريقة إيلي كوهين، الذي كُشف أمره، بينما نجح الشرع في الوصول إلى السلطة، وزعموا أنّه لا أحد يعرفه من عشيرة الشرع. وعندما ذهب إلى من سكن في شقة ذويه، وطالبه بإخلاء الشقّة، راحوا يتحدثون عن الظلم واستخدام نفوذه لطرد عائلة مسكينة لا ذنب لها من مسكنها.
تحدّثوا أنّه لم يحتجَّ على احتلال “إسرائيل” لمناطق جديدة في الجولان، لأنّ “إسرائيل” دعمته، وسرعان من تبين أنّ “إسرائيل” تشترك في محاولات إحباطه وبقوّة، من خلال إحراجه في عدوانها المتّسع والمتسارع، خصوصاً بعد إعلانه عن وحدة الأراضي السّورية التي لا تقبل القسمة، فـ”إسرائيل”، تسعى إلى تشجيع النّزعة الانفصالية للأكراد السّوريين، ثم تذرّعت بأنهم بصدد حماية الدّروز في جنوب سوريا، وبدأت ترسم خرائط التّجزئة على أسس طائفية وإذكائها لأهدافها المعروفة.
المهم أنّ أولئك الذين دافعوا عن نظام (الطاغية المخلوع) بشار الأسد، حتى يوم هروبه، دافعوا بلا كلل عن موقف النظام الشهير، الذي تحوّل إلى شعارٍ فكاهي “الرّد في الزمان والمكان المناسب”، بحجة عدم الانجرار إلى مواجهة غير متكافئة مع “إسرائيل”.
حتى عندما جرى تهجير ملايين السّوريين، وُصِف هؤلاء المهجَّرون بالخونة، إضافة إلى تجاهل الفقر المدقع للشّعب مقابل حياة الفساد والرّفاهية، لرجالات السُّلطة ومن حولهم.
كانت سوريا، منتهكة على مدار عقود من غير ردّ فعل، الطيران الحربي “الإسرائيلي” يضرب بمناسبة وبغير مناسبة، من دون أي ردّ، ولو من باب ردّ الاعتبار، ولم تساعده روسيا على حماية أجوائه، واكتفت بحماية قواعدها باتّفاق مع “إسرائيل”، وهذا لم يكن سرّا، فقد اكتفى النظام بحماية نظامه، إلى أن تخلّى عنه (صديقة الحميم الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين، وقد صار عبئاً كبيراً لا يستطيع حمايته.
جرى اغتيال شخصيات عسكرية إيرانية ولبنانية وفلسطينية وسوريّة، على الأرض السّورية، وكان واضحاً أنّ القيادة العسكرية السّورية مخترقة كالغربال، بحيث أنَّ كل شيء كان مكشوفاً أمام “إسرائيل”.
النّظام البائد هو السّبب الأول في إضعاف “حزب الله” اللبناني، فقد كان تورّط “حزب الله” في الحرب الأهلية السّورية، الثّغرة التي مكّنت “إسرائيل” من الوصول إلى قيادات الحزب ومقاتليه، وأدّى تدخّل الحزب في سوريا، لصالح النظام إلى اهتزاز مكانته، التي كان قد اكتسبها، وهذا مكَّن “إسرائيل” من تلغيم أجهزة البيجر، ثم اغتيال أعداد من قيادات الحزب، التي كان أشدّها وقعاً اغتيال (الأمين العام الأسبق لحزب الله) السّيد حسن نصر الله، ونائبه (الأمين العام السابق) هاشم صفي الدين، الأمر الذي شكّل ضربة معنوية أليمة وقاسية جدّا للحزب وأنصاره. لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه الجولان منذ عام 1974، وكلُّ من حاول ذلك اعتقل بتهمة أمنيّة خطيرة، وهناك من قضى أكثر من عشرين عاماً في السّجن بهذه التهمة، التي اعتبرت محاولةً لتوريط النظام في حرب غير متكافئة.

هذه القوى التي تفهّمت موقف “الرّد في الوقت المناسب”، صارت تطالب أحمد الشّرع منذ اليوم الأول لتسلّمه السُّلطة بالرّد على العدوان. فجأة صار هؤلاء من أنصار الدّيموقراطية، ويطالبون بانتخابات نزيهة وفوريّة بعد عقود من مديح الديكتاتور والديكتاتورية كضّرورة.
تواطأوا مع الانتخابات الشّكلية، بل إن بعضهم كان يردح في المناسبات الخاصة، ويغنّي لأبو حافظ (بشّار الأسد) بلا خجل، من أسر مئات آلاف الضّحايا وملايين المهجّرين قسراً من وطنهم، إضافة إلى هذا، هنالك محاولات لافتعال أجواء من الفوضى، تسهم فيها عدة أطراف، هنالك أنصار النظام البائد الذين فقدوا امتيازاتهم ويرفضون تقبّل الواقع الجديد. يحاول هؤلاء إنشاء معارضة مسلّحة معتمدين فيها على التحشيد الطائفي والمذهبي والقومي في حالة الأكراد.

يطالب هؤلاء الشّرع، ومجلسه، بحلول فورية للمشكلات الاقتصادية، وفي الواقع أنّ أكثر ما يسعدهم الآن، هو فشل الإصلاحات الاقتصادية، ويتمنّون للشعب السوري مزيداً من المعاناة كي يُفشلوا النظام الجديد.
هنالك أيضاً أنصار للنّظام الجديد، أخذوا القانون لأيديهم، للانتقام، وهذا خطأ وسببٌ للفوضى وعدم ثقة المواطنين بالنظام الجديد.

الآن، وبعد انفضاح ما كان مستتراً أو غير واضح في عمقه ووحشيته، من تعذيب وقتل وتنكيل وفظائع، كان النظام قد ارتكبها بحق الشّعب السوري كله وبجميع أطيافه، فإنّ أيّ نظام مهما كانت علله أفضل منه، ومن حقّه أن يأخذ فرصته حتى يستقر الوضع في سوريا، ويجذب من هاجروا ليعودوا إلى وطنهم، ويعيد بناء ما دمّرته الحرب من بنيان وإنسان، وهذا يحتاج إلى وقت.
“مؤتمر للحوار الوطني”، الذي جرى الاثنين والثلاثاء في دمشق، هذا الأسبوع، يبشّر بالخير وبأنَّ النّظام الجديد يجري حساباته بدقّة ودراسة، ويمضي في سدّ الثّغرات والتغلب على الصّعوبات.
من يقرأ البيان الصادر عن المؤتمر، يستطيع أن يتفاءل، فهو يسحب البساط من تحت أقدام دعاة التقوقعات الطائفية، وأصحاب النزعات الانقسامية ويطالب بإنهاء الميليشيات المسلحة والكفّ عن سياسة الانتقام، والإبقاء على جيش واحد قويٍّ للدولة السوريّة، كذلك، فهو يوجّه أصبع الاتهام إلى الاحتلال بوضوح، ويطالبه بالانسحاب من المواقع التي احتلها مؤخّراً ومن غير تبريرات. لن تنجحَ تجربة الانقلاب على الشَّرع، كما حدث لمحمد مرسي في مصر، فالظُّروف تختلف، شعبياً وجغرافياً وسياسياً وعسكرياً.

المصدر: سهيل كيوان/ “القدس العربي”
المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى