الدوران في دوامة العبث!

“المدارنت”
يستدعي المشهد المأساوي الحالي، الذي يغطي أرض كل بلاد العرب والمسلمين بألف خطر وألف عبث، أن نشير إلى ملاحظة في الحاضر، وأن نستدعي ملاحظة حول الماضي.
في الحاضر هناك محاولة من قبل بعض الإعلام الغربي إلى تبرئة المجرم وإلى إقحام البريء. كمثال على ذلك ما كتب في جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية منذ بضعة أيام، أن أربعة مسؤولين أمريكيين كبار، أكدوا أن أحد العوامل التي دفعت الرئيس الأمريكي إلى الموافقة المستعجلة بتنفيذ الهجوم الأمريكي – الصهيوني على جمهورية إيران الإسلامية، كان بسبب تعرض الرئيس لضغوط من قبل الكيان الصهيوني ومن قبل الشقيقة المملكة العربية السعودية.
وبمعنى آخر فإن الهجوم الأمريكي/ الصهيوني، الذي استنكر العالم كله حدوثه، بينما إيران تفاوض حول حلول وسط بطرق دبلوماسية، لم يكن قراراً أمريكياً ـ صهيونياً أحمق وإجراميا، وإنما كان أيضاً قراراً عربياً. كذا، وبصفاقة منقطعة النظير يراد التخفيف من قباحة الجرم الأمريكي ـ الصهيوني وإلصاقه بالعرب، بينما القاصي والداني يعرف أن الشقيقة المملكة العربية السعودية، ومعها العديد من الدول العربية، أعلنوا مراراً أنهم ضد هذه الحرب وأنهم مع حل دبلوماسي. لكن هل يعقل أن يتخلى الإعلام الغربي عن مساهماته في بناء صولجان وأبطال الاستعمار الغربي، مؤخراً الجنون الصهيوني؟ ألم يبرر دوماً جزء من هذا الإعلام كل كبائر ورذائل المؤامرات التي حلت بالعرب والمسلمين عبر مئات العقود من السنين؟
بالنسبة للماضي دعنا نكون صريحين مع النفس: ما كان للذي يحدث الآن أن يحدث لو لم يتصف الكثير من قيادات أنظمة الحكم العربية، منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا مع الحاضر والمؤقت والمنافع الانتهازية المؤقتة، بدلاً من التعامل مع الاستعداد للمستقبل واستشرافه بحكمة وموضوعية. من بين تلك التعاملات التي ركزت دوماً على المصالح المؤقتة والحساسيات السيادية البليدة، موضوع الأمن القومي العربي المشترك وموضوع الحاجة لناتو عربي ـ إسلامي يحمي الجميع.
لقد بحّت أصوات الذين طالبوا عبر العقود الماضية، منذ خمسينيات القرن الماضي ومنذ وجود الخطر الصهيوني على الأخص، بأهمية وجود تنظيم أمني عربي مشترك، مسنود بوجود صناعة حربية مشتركة، وذلك من أجل عدم الاعتماد على معاهدات واتفاقيات متناثرة وغير مأمونة، في ما بين هذه الدولة، أو هذه الكتلة العربية، أو الإسلامية أو تلك، وما بين هذه الدولة الاستعمارية وتلك، لكن أصوات المنادين ذهبت أدراج الرياح، فلا الدفاع العربي المشترك ولا الصناعة الحربية المشتركة استمرت في وجودها المتواضع، ولا محاولات قيام جيوش إقليمية مشتركة، من مثل ما اقترحه سلطان عمان الراحل قابوس بن سعيد لدول الخليج العربية ولم يتحقق ما اقترحه بسبب رفض البعض. وبالطبع فقد لعب الكيان الصهيوني والاستعمار الغربي أدواراً هائلة في منع قيام أي نوع من التعاون والتنظيم الأمني والعسكري في بلاد العرب وبلاد الإسلام، بل الذي حدث هو العكس. لقد نجحت الجهتان الصهيونية ـ الاستعمارية في إضافة المزيد من الصراعات والمماحكات في السنين الأخيرة.
واليوم، وببلادة منقطعة النظير، وعلى الرغم من كل المبادئ والقيم العروبية والإسلام، ينادي البعض بقيام حلف ما بين أمريكا والكيان الصهيوني وبعض المطبعين العرب والمسلمين، لمحاربة هذه الجهة العربية أو الإسلامية، أو تلك، مثلما حدث في غزة وفي إيران والعراق، ويحدث الآن أيضاً في السودان، ويراد له أن يمتد إلى كل شبر عربي أو إسلامي.
وبالطبع فإن المؤامرات الصهيونية ـ الاستعمارية لن تكون لها حدود، والانتهازيات والبلادات لن تكون لها حدود. لا توجد أمة في الدنيا سمحت لماضيها أن يدمر حاضرها ولحاضرها أن يدمر مستقبلها، كما فعلت الأمتان العربية والإسلامية. مطلوب الخروج من هذه الدوامة ودحر من يبقون هذه الدوامة في دوران دائم.



