مقالات

الرِهانات بين الحلم والواقع!

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”..
لا أحبّ التحدُّث في الطائفيّة والفئويّة، لأنّني أعتبرها أخطر الأسلِحة التي يستغِلُّها الأعداء للقضاء على حضور العرب. هذا السلاح ما يزال يُستَخدَم، بصُوَر مختلِفة، منذ أكثر من مئة سنة، وقد فعل فِعلَه. لكن، وجدتُ نفسي مضطرًّا لأن اتحدّث في هذه الفئويّات من باب تسمية الأشياء بمُسَمّياتِها لكي تكون واضحة وسهلة الفهم.
ألرهان الاستراتيجيّ لبعض العرب، وغير العرب، في الوطن العربيّ الممتدّ من المحيط إلى الخليج، يجب أن يكون على العرب، فقط، بالرغم من ضعفهم وجُبن بعضهم وعمالة بعضهم الآخر في هذا الزمن الرديء الذي يفتقد إلى مشروع عربيّ واضح المعالم والأهداف. لماذا؟ لنستعرض كلّ فئة من هذه الفئات ورهاناتها:
1/ بعض السُنّة، يراهنون على تركيّا كونها دولة “سُنِّيّة، وبنظرِهِم هي دولة الخلافة الإسلاميّة. هذا رهان خاطئ وخطير لأنّ الدولة العثمانيّة، لم تسمِّ نفسها بدولة الخلافة، ولا بالدولة الإسلاميّة في أيّ مرحلة من تاريخها. ولكي لا ندخل في سجال حول هذه المعلومة فليرجِع، من يشاء، إلى أرشيف الدولة العثمانيّة، ليرى بنفسه هذه الحقيقة.
ألدولة العثمانيّة، قضت على ما سمّاه الكثيرون بدولة “الخلافة”، التي تجاوزَها الأمويّون والعباسيّون بتوريث الحكم، ونقلت العاصمة من بغداد إلى تركيّا، وغيّرت لغة الدولة الرسميّة من العربيّة، لغة القرآن، إلى اللغة التركيّة، وحاولت تتريك العرب، وباعت الكثير من أرضهم، عبر فترات متقطِّعة ، في المغرب العربيّ والمشرق العربيّ، إلى الدول الأوروبيّة، فضلًأ عن أنّها كانت تعتبرهم رعايا وليس مواطنين.
تركيّا، تعمل من أجل مصلحتها كدولة، وهذا وحقُّها، ولا تفكِّر بهؤلاء الذين يتمنّون التبعيّة لها إلّا من باب استغلالهم لتحقيق مصالحها وأطماعها في أرض العرب؛ وقد تبيّن ذلك جليًّأ في السنوات الأخيرة، لمن يريد أن يُدرِك، وسيتبيّن بشكل أوسع وأوضح في السنوات القادمة.
2/ بعض الشيعة، يراهنون على إيران، وهي تسعى الى تحقيق مصالحها، ايضًا، مثلما تفعل تركيّا. إيران، لا ترغب في مساعدة الشيعة العرب، إلّا من باب استغلالهم لتحقيق مصالحها التي باتت معروفة، والتي صرّح بها مسؤولون كبار في الدولة الايرانيّة، بأنٌهم يسيطرون على أربع عواصم عربيّة، عدا عن التصريحات الأخرى، وسلوكهم في هذه العواصم. هم مستعدّون، وهذا ما أثبتَته حرب “إسرائيل” على لبنان، للتخلّي عن الشيعة العرب، كلِّهِم، في حال تعرّضت مصالح إيران للخطر.
3/ بعض الدروز والعلويّين والإسماعيليّين، يراهنون على حكم الأقليّات، معتبِرين أنّ ذلك ضمانة للحفاظ على وجودهم واستمراريّتهم في هذا المحيط “السنّيّ”، الذي يحتوي على جماعات تكفيريّة، أفرزتها أحداث العقود الأربعة الماضية، لا يؤمَن جانبُها.
4/ ألمسيحيّون، بعضُهُم يراهِن على الغرب، وعلى حكم الأقليّات، لنفس الأسباب التي تراهن عليها الأقلِّيّات المذهبيّة الاسلاميّة.
5/ ألأكراد والأمازيغ، يراهنون على الانفصال عن العرب، وتشكيل دول قوميّة تحميهم وتحافظ على خصوصيّاتهم ولغاتهم، وفي ذلك رهان كبير على الأوروبيّين وأميركا الذين يتربّصون بالعرب، ويحاولون إلغاء حضورهم واحتلال أرضهم وثرواتهم.
هذا هو الواقع المرير الذي برز في العقود الخمسة الماضية، بعد غياب جمال عبد الناصر، وانحِسار المشروع القوميّ العربيّ إلى أدنى مستوياته في التاريخ المعاصر.
إنّ كلّ هذه الرهانات مرتبطة بضعف الموقف العربيّ العام، ومشهديّة القصور الرهيب الوصول إلى صيغة، ولو بالحدّ الأدنى، من التفاهم والتوافق والتضامن بين الدول العربيّة، المؤثِّرة والفاعلة في القدرة على تكون هذه الأجواء وتحويلها إلى مشروع متكامل العناصر..
على أيّ حال، لن يكون مستقبل لأيّ مشروع في المنطقة، مهما عظُمَ وتجبّر، إلّا للمشروع العربيّ الحضاريّ الذي يجمع كلّ الأديان والمذاهب والقوميّات، تحت سقف الدولة المدنيّة العصريّة، القائمة على الكفاءة والكفاية، والتي تحترم الإنسان، وتصون الحرِّيّات وتضمن حقوق كلّ الفئات دون انتقائيّة وتمييز.
من هنا، على الجميع مراجعة قضيّة الرهان على الخارج، والعودة إلى مشروع بناء دولة المستقبل، مهما كانت التضحيات والتنازلات، ومهما طال أمد هذه المرحلة…

المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى