السودان.. عودة الدولة أو انقسامها!
“المدارنت”..
مع قرب انقضاء عامين على حرب السودان الأخيرة الممتدة منذ 15 أبريل 2023، انفتحت طاقة أمل عظيم في وقف انهيار الكيان السوداني، واستعادة وحدته الجغرافية والسياسية، مع نجاح الجيش والقوات الرديفة في تحرير ولاية الخرطوم بكاملها، وطرد قوات التمرد والمرتزقة الأجانب، وتطهير مدن العاصمة المثلثة، وعودة المطار والقصر الجمهوري ومقار الوزارات والأجهزة السيادية والبنك المركزي، ومقار القيادة العامة للقوات المسلحة والأسلحة الفرعية، والإذاعة والتلفزيون، وقواعد جوار الخرطوم الجوية.
كانت المعارك مريرة، استغرقت شهورا طويلة دامية، بدأت بتحرير «أم درمان»، وانتهت بإعادة تحريرها من جيوب التمرد التي هربت إلى جنوبها، بعد معارك في «الخرطوم بحري» و»الخرطوم» ذاتها، وكان تحرير ولاية «الخرطوم» تتويجا لانتصارات توالت عبر الستة شهور الأخيرة، كان مفتاح التحول فيها معركة تحرير «جبل موية»، تلك المنطقة الاستراتيجية المرتفعة (464 مترا فوق سطح البحر)، التي تربط ولايات النيل الأبيض وسنار والجزيرة، ما فتح الطريق لتحرير ولايتي سنجار والجزيرة بعاصمتها الشهيرة ود مدني، وتمكين الجيش من إعادة تنظيم قواته وخططه، وإنهاء معارك الخرطوم في ضربة الحسم الكبرى.
وبعد معارك الأربعة والعشرين شهرا، التي بدت فيها قوات التمرد (الدعم السريع) متفوقة ميدانيا أغلب الوقت، وقادرة على اكتساح ولايات الوسط، وتهديد الولايات الشرقية، ما اضطر المجلس السيادي بقيادة قائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان إلى ترك الخرطوم، والانتقال إلى عاصمة مؤقتة في ميناء بورتسودان، فقد كانت «القيادة العامة للقوات المسلحة» محاصرة من قوات «الدعم السريع»، التي عاثت فسادا ونهبا واغتصابا في الأعيان المدنية، وفى أرقى أحياء الخرطوم وأسواقها وأبراجها الشاهقة، ما دفع أغلب سكان الخرطوم للهرب واللجوء إلى خارج الخرطوم، أو إلى خارج السودان كله، إضافة لتدمير قوات التمرد لمتاحف الخرطوم والجامعات والمكتبات والمصانع، كان الأمر أشبه باجتياح قوات «التتار» فى زمانها لحواضر العالم الإسلامي.
وكانت استعادة الجيش أخيرا للخرطوم، نوعا من استعادة الأمل في بعث السودان مجددا، فقد اجتمعت ولايات الشمال والشرق والوسط إلى سلطة مركزية واحدة، وإن كانت للقصة بقية، فلا تزال أغلب ولايات إقليم دارفور في الغرب تحت سيطرة قوات التمرد، إضافة لأجزاء من ولاية غرب كردفان، مع نقاط سيطرة أصغر لمجموعات تمرد أقدم، بينها قوات جماعة (جيش تحرير السودان) بقيادة عبد الواحد نور في «جبل مرة» شمال دارفور، وقوات جماعة (الحركة الشعبية ـ شمال) بقيادة عبد العزيز الحلو، والأخيرة موجودة في بعض مناطق كردفان، وأشهرت تحالفها مع قوات «الدعم السريع» أخيرا، ولعبت دورا جوهريا مع قيادة «الدعم السريع» وأنصارها السياسيين في مؤتمر «نيروبي» الذي عقد مؤخرا، وكوّن ما عرف باسم تحالف إعادة التأسيس، ودعا لما سمّاه «ميثاق السودان الجديد»، وإنشاء حكومة موازية بديلة عن حكومة البرهان المعترف بها دوليا، كانوا يتطلعون ـ على ما يبدو ـ لإعلانها في الخرطوم.
قبل أن تأتي حوادث الأيام الأخيرة لتصدم دعاة تقسيم السودان، وتحرر الخرطوم مع تأكيد سيطرة الجيش على ثلثي ولايات السودان، وإن كان خطر التقسيم لا يزال يطل برأسه، بسبب سيطرة قوات «الدعم السريع» على أربع ولايات في إقليم دارفور، والسعي لاستكمال السيطرة على الولاية الخامسة «شمال دارفور»، وهي الأوسع مساحة في إقليم دارفور، الذي تعادل مساحته الكلية وتزيد على مساحة بر فرنسا (675 ألف كيلومتر مربع).
ومن شهور مضت، تدور معارك طاحنة حول مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وإلى أقصى الغرب في مدينة الفاشر عاصمة ولاية «شمال دارفور»، التي لا تزال قوات الجيش تحارب داخلها، ومعها القوات المشتركة من جناحي حركة العدل والمساواة الافريقية (بقيادة منى أركومناوي وجبريل إبراهيم)، فيما لا تزال قوات التمرد تسيطر على أغلب محليات ولاية شمال دارفور، وأضافت إليها مؤخرا منطقة «المالحة» شمال مدينة الفاشر، والأوضاع في دارفور بولاياتها الخمس بالغة الحرج، فهي مركز الثقل والمورد الأساسي لقوات التمرد، التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي لم يكمل تعليمه الابتدائي، وأصبح يحمل رتبة عسكرية عالية (فريق أول)، وهو ينتمي قبليا إلى فخذ «المحاميد» من قبيلة الرزيقات أكبر القبائل العربية في غرب السودان، وفي تشاد ودول الساحل الافريقي.
وفي دارفور خليط هائل من القبائل العربية والقبائل الافريقية، والأخيرة مستقرة وتعمل غالبا بالزراعة، بينما القبائل العربية كانت من البدو الرحل وتتنقل باستمرار وتعمل بالرعي، وفي أوسايها تطورت سيرة «حميدتى»، الذي بدأ حياته العملية تاجر إبل ومواشي، ثم أنشأ عصابة حراسة لقوافل التجارة في الصحراء الموحشة، ثم كانت النقلة الكبرى في حياته مع حرب دارفور الأهلية بين القبائل العربية والافريقية، التي سقط فيها أكثر من 300 ألف قتيل، وكانت جماعات «الجنجويد» تحارب باسم القبائل العربية السبع والعشرين، واشتهرت بارتكاب الفظائع ضد قرى القبائل الافريقية، وبالذات ضد «المساليت» و»الفور».
وذهبت حكومة الخرطوم زمن حكم الجنرال عمر البشير، لشراء خدمات «الجنجويدي» الصاعد حميدتي، الذي كان البشير يطلق عليه تدليلا لقب «حمايتي»، وصعد «حميدتي» بسرعة إلى المشهد الأمامي، إلى أن اعترفت الحكومة رسميا بقواته، وأطلقت عليها اسم «قوات الدعم السريع»، وبعد ثورة ديسمبر 2019، شارك حميدتي مع البرهان في الإطاحة بالبشير وجنرالات لجنته الأمنية، وبقية القصة معروفة، فقد صار حميدتي نائبا للفريق أول البرهان، في رئاسة المجلس العسكري فالمجلس السيادي، وتضخمت قوات حميدتي من 19 ألف عنصر قبل الثورة إلى نحو 120 ألفا، وزاد عديدها في الخرطوم على عديد قوات الجيش نفسها.
إضافة لنفوذ حميدتي المالي الهائل، ومده الجسور مع عواصم إقليمية خليجية وافريقية، وحيازته لموارد الذهب الغنية في «جبل عامر» شمال مدينة الفاشر، ما مكنه من توسيع قاعدة نفوذه، وشراء ولاء قيادات سياسية وآلاف المرتزقة الأجانب، وذمم حكام في عواصم افريقية مجاورة، وأغرته قوته بالانقلاب على حكم البرهان في الخرطوم، وهو الحلم الذي تحطم أخيرا مع انتصارات الجيش.
لكن الأطراف الخارجية التي يعمل معها، ربما تعول اليوم على فصل غرب السودان في «دارفور» بالذات عن السودان كله، والمفارقة هنا، أن حميدتي الذي كان أداة لحكام الخرطوم في قمع تمرد «دارفور»، أصبح اليوم عنوانا لتمرد أوسع، انحسرت قواعده إلى «دارفور» نفسها، وربما تكون مهمة اقتلاع قواته من «دارفور» أصعب من حرب الخرطوم، وربما يحتاج الأمر من قيادة البرهان إلى طرق مختلفة لاستعادة دارفور، أهمها كسب تأييد ودعم الطيف الأوسع من القبائل العربية مع القبائل الافريقية هناك.
وبالجملة، تبدو استعادة الخرطوم نقلة كبيرة في مسار الحرب الجارية، فقد أبعدت شبح تقسيم السودان وتحطيم دولته، لكن هدف استعادة وحدة السودان واستقراره لا يزال بحاجة لاستكمال، ويلزمه ما هو أكثر من تصفية التمرد.
فالسودان بلد شاسع المساحة حتى بعد انفصال الجنوب، ومساحته الحالية تقارب المليوني كيلومتر مربع، وموارده الطبيعية المتنوعة هائلة، وتجلب إليه مطامع المتربصين إقليميا ودوليا، وموقعه استراتيجي حاكم على ضفاف البحر الأحمر ومسار نهر النيل، وتكوينه العرقي والقبلي بالغ التعقيد، ففيه أكثر من 570 مجموعة قبلية، وقد تقلب حكمه بين العسكريين والمدنيين منذ إعلان استقلاله عام 1956، وتوالت حروبه الداخلية المهلكة، منذ ما قبل إعلان الاستقلال، وانفصل عنه جنوبه قبل عقد ونصف العقد، وما من أمل في الخروج من دوائر الاحتراب المفرغة، إلا أن تقوم في السودان دولة مركزية قادرة وعادلة، تحكم قبضتها على الاتساع والتنوع السوداني، وتلغي مظالم التهميش عند سكان الأطراف، وتوزع السلطة والثروة بالعدالة الاقتصادية والمشاركة السياسية، ونقطة البدء ـ في ما نتصور ـ أن يقوم في السودان جهاز دولة يصل بهيبته وخدماته إلى الربوع كلها.
القصة أكبر من صراعات مدنيين وعسكريين، ومن تفضيلات مزاجية لحكم عسكري أو حكم مدني، أضف ما يعانيه السودان من مخاطر تمزق، فهو محاط بدول فاشلة وشبه فاشلة في أغلبها، تخترق صراعاتها الداخلية حدود السودان مع جواره بالعمق الافريقي، وقد لا تفيد جولات التفاوض المعتادة كثيرا، وفي حرب الجنوب الأشهر والأطول، التي سقط فيها أكثر من مليون قتيل، لم ينته التفاوض بعد الحرب إلى نتائج نافعة، لا لشمال السودان العربي ولا لجنوبه الافريقي، وحفظ ما تبقى من السودان موحدا، يلزمه ـ في ما نظن ـ رد اعتبار الجيش الموحد، القائم على مبدأ التجنيد القومي العام، والمكون لنواة امتزاج وتجانس سوداني صلبة.