السيناريو الليبي يتمدد!

“المدارنت”..
منذ عام 2014 على الأقل، يهيمن الانقسام السياسي والجغرافي على المشهد السياسي في ليبيا، حيث توجد حكومتان، إحداهما في الشرق، ومقرها بنغازي، برئاسة أسامة حمّاد (حكومة الاستقرار) ويدعمها مجلس النواب وقوات «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر، والثانية برئاسة عبد الحميد الدبيبة (حكومة الوحدة الوطنية)، ومقرها طرابلس، وتدعمها فصائل مسلحة منخرطة في القوات المسلحة الليبية، وتحظى بتأييد المجلس الأعلى للدولة.
وتدعي الحكومتان تمثيلهما للشعب الليبي والدولة الليبية، وبأنّ الأخرى تفتقد إلى الشرعية، حيث إنّ حكومة الشرق هي الحكومة المكلفة من قبل مجلس النوّاب، بينما حكومة الغرب هي الحكومة المعترف بها دولياً. وقد جرى صراع بين حكومتي الشرق والغرب، اتخذ صورة حرب أهلية في الفترة (2019-2020)، ولايزال الصراع السياسي على أشده بين الطرفين، ولاسيما بعد أن سحب مجلس النواب الثقة من حكومة الدبيبة، وربما يتطور، إذا لم يتم التوافق بين الفاعلين الرئيسيين على الساحة الليبية على تسوية سياسية وإجراء الانتخابات، إلى أكثر من ذلك.
ويحلو للمراقبين إطلاق مصطلح «السيناريو الليبي» على مجمل الأزمة الليبية المركبة. ويبدو أن هذا السيناريو يتمدد ويتكرر في حالات دول عربية أخرى، وأولها اليمن.
ففي اليمن، كما الحال في ليبيا، حكومتان وجيشان وعاصمتان منذ انقلاب الحوثيين على الشرعية في سبتمبر/أيلول 2014، وسيطرتهم على العاصمة صنعاء، وعلى مقر الحكم هناك. وكما هي الحال في ليبيا، هناك حكومة يمنية تحظى بالشرعية الدولية (برئاسة رشاد العليمي) وحكومة «حوثية» في صنعاء تزعم تمثيلها للشعب اليمني.
ولكنّ الوضع اليمني أكثر تعقيداً من الناحية الواقعية، حيث الانقسام بين ثلاث قوى رئيسية، وهي: الحكومة اليمنية الشرعية، وجماعة الحوثيين، والمجلس الانتقالي الجنوبي، حيث يسيطر كل طرف على أجزاء من الأراضي اليمنية، ما يجعل خريطة النفوذ والسيطرة معقدة ومتشابكة، إذ تتغير مناطق السيطرة باستمرار نتيجة الصراعات المستمرة بين الأطراف. وإن كانت هناك حالة من الجمود السياسي والعسكري تسيطر على الأوضاع اليمنية الحالية.
وكما هي الحال في ليبيا، لا يزال الصراع في اليمن يزداد تعقيداً، بسبب أطرافه العديدة والمتباينة، ومصالحهم المتعارضة والمتصارعة، والتدخلات الخارجية في الشأن اليمني، وأخطرها التدخل الإيراني، والتوترات الإقليمية الحالية.
وبرغم ما قد يُعتقد أنّ تجدد الهجمات الجوية والصاروخية الأمريكية والبريطانية على مواقع الحوثيين منذ منتصف مارس/ آذار المنصرم سوف تؤدي إلى إضعاف القدرات العسكرية والقيادية للحوثيين، إلا أنها قد تضفي عليهم شرعية في داخل اليمن وخارجها، ومن ثم تزيد من إطالة الصراع المركب في اليمن.
وتتجه الأمور في السودان إلى السيناريو الليبي. فبرغم تغير موازين القوى في الصراع السوداني- الذي أكمل سنواته الثلاث- لمصلحة الجيش، فإن السيناريو الأقرب للتحقق في ظل إصرار قادة الجيش على مواصلة القتال حتى تحقيق الانتصار العسكري، هو استمرار الحرب ولاسيما في ظل استعادة الجيش السيطرة الكاملة على الخرطوم، بجانب انتصاراته المتسارعة في ولايتي سنار والجزيرة. ولكن يُتوقع تمسك قوات الدعم السريع بسيطرتها على كردفان ودارفور. ومن ثم، قد نشهد تكراراً للسيناريو الليبي في السودان.
يُذكر أنّ قوات الدعم السريع والحركات الموالية لها ما زالت تُسيطر على مناطق واسعة من البلاد، ولاسيما في جنوب غرب البلاد، حيث تسيطر على القسم الأكبر من إقليم دارفور المترامي، لكنها لم تتمكن من السيطرة على الفاشر، وتوجد في مدينة الأبيض وسط ولاية كردفان ومدينة بابنوسة في غرب كردفان ومدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور.
وفي سوريا، وبعد مئة يوم من حكم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، لا يزال أكثر من ثلث سوريا خارج نطاق سيطرته، مع افتقار نصف البلاد إلى أي وجود عسكري أو أمني ذي أهمية لقوات الجيش والأمن التي تُهيمن عليها هيئة تحرير الشام (سابقاً). علاوة على ذلك، فإنّ العديد من البلدات والقرى تحكم نفسها بنفسها، وخالية إلى حد كبير من تدخّل دمشق، حتى في الشؤون الأمنية.
والخلاصة أنّ وباء الانقسام السياسي والجغرافي المتطابق، الذي يسِم المشهد السياسي الليبي، أصبح يُهدد النظام الإقليمي العربي، تغذيه الصراعات على السلطة والنفوذ، وهي صراعات لم تثمر عن أية نتائج تقريباً، وأدت إلى انقسام الحكومة، والخلل الوظيفي المستمر، ونوبات العنف المتكررة. ثم إن هذا الانقسام يغذيه أيضاً التدخل الخارجي من جانب الدول الإقليمية والقوى الدولية، ما يستدعي وقفة جادة من جانب قيادات ومؤسسات النظام العربي، حتى لا تنفرط وحدات النظام واحدة تلو الأخرى، بل وينهار النظام نفسه!