الصيام في رمضان..

خاص “المدارنت”..
============
فمَن شَهِدَ منكمُ الشّهر
إذا تأملنا قول الله تعالى في سورة البقرة في الآية 185: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، نجد أن كلمة “منكم” وردت مع “فمن شهد”، ولم ترد في الآية نفسها عند الحديث عن المرض والسفر في قوله تعالى: ﴿ومن كان مريضًا أو على سفر﴾، فقد جاءت هنا مع الشهود لا مع المرض والسفر. وهذا ما يثير تساؤلًا حول الحكمة في استخدام “منكم” في الجزء الأول، وعدم استخدامها في الجزء الثاني من الآية.
إنّ ما يُفهَم من الآية أنّ ثمّة من الناس مَن لا يشهد الشهر، أي أنّ هناك تبعيضًا في الشهود، لكن ليس في المرض أو السفر. وقد ذهب بعض المفسّرين إلى أن المقصود بـ”من لم يشهد الشهر”، هو الأموات أو الأطفال. غير أن هذا الرأي غير دقيق، لأن الأطفال غير مكلفين الصيامَ في الأصل، والأموات خرجوا من دائرة التكليف تمامًا، فلا معنى لاعتبارهم ضمن المخاطبين في الآية.
معنى “شهد” في السياق القرآني
لقد أثارت كلمة “شهد”، جدلًا في تفسير الآية. فثمّة من يعتبرها أنها تعني “رأى”، أي رأى الهلال، بينما يعتقد آخرون أنها تعني “حضر”، أي كان مقيمًا حين جاء رمضان. وهذان المعنيان موجودان بالفعل في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ (البقرة: 133) حيث تعني “شهداء” هنا “حاضرين”. وكذلك في قوله تعالى: ﴿فلما جَنّ عليه الليل رأى كوكبًا﴾ (الأنعام: 76)، حيث المقصود هنا “رأى” البصرية لا القلبية بمعنى “علم”.
إذا كان الفعل “شهد” هنا يعني “رأى” أو “حضر”، فإننا نقع في مشكلة التطابق مع ألفاظ أخرى في القرآن. من هنا، نستنتج أن لهذا الفعل معنى مختلف تمامًا في هذا السياق.
فهم معنى “شهد” من آيات أخرى
لفهم المعنى المقصود للفعل “شهد”، يمكننا الرجوع إلى قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ (يوسف: 26). فالشاهد هنا لم يكن حاضرًا وقت وقوع الحادثة، بل استدل على البراءة أو الجرم بقرائن عقلية، وهذا يدل على أنّ الشهادة هنا تعني الإدلاء بقرائن تقود إلى قرار أو حكم. وبالمثل، نجد أنّه تعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ (آل عمران: 18)، وهنا من غير الممكن عقليًّا أن يكون المعنى “رأى” أو “حضر”، وإنما المقصود قرّر وأثبت وأقرّ بذلك.
إعادة فهم الآية
بناءً على ذلك، فإن قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، يعني أنّ من شهد أي مَن قرّر الصيام والتزم به، فليصمه، ومن لم يشهد، أي مَن لم يقرّر الصيام لسبب طارئ ومشروع مثل المرض أو السفر، فعليه القضاء ﴿فعدّة من أيام أخر﴾.
وهذا يفسر لماذا لم تأتِ “منكم” في قوله تعالى: ﴿من كان مريضًا أو على سفر﴾، لأن المخاطَب هنا هو الذين قرروا الصيام فعليًّا، ثم طرأ على بعضهم مانع كالسفر أو المرض، بالتالي لم تكن ثمّة حاجة للتبعيض.
والله تعالى قال: ﴿فعدّة من أيام أخر﴾ ولم يقل: “فليصم من أيام أخر” أو “فليصم أيّامًا أخر”، وهذا يشير إلى أن المطلوب هو صيام عدد الأيام التي أفطرها الصائم عرَضًا بعد زوال العلّة أو السبب، من دون اشتراط تتابعها أو تحديدها مباشرة بعد انتهاء شهر رمضان.
بهذا الفهم، يتضح أن الآية لا تتحدث عن رؤية الهلال أو عن الحضور الجسدي في شهر رمضان وحسب، بل تتحدّث عن اتخاذ قرار الصيام والالتزام به، وهذا ما يعطي الآية الكريمة بعدًا أعمق وأشمل.