الضربات ضدّ إيران قد تضعف قوة “ميليشيات الحوثي” في اليمن؟
“المدارنت”
تشكل الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران، من الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل”؛ تطورا لافتا ومؤثرا ليس على واقع طهران فحسب، بل قد ينعكس تداعياتها على أكثر من صعيد في المنطقة، بما في ذلك اليمن.
ومنذ أيام، نفذت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل سلسلة ضربات قوية أدت إلى مقتل قادة بارزين في إيران بينهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وفي المقابل، أطلقت إيران سلسلة صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل، لكن العديد منها طال عدة دول عربية وتسببت في حرائق ودمار وخلقت ضحايا وسط موجة إدانات ضد النظام الإيراني.
وفي ظل ترجيح مراقبين بأن الضربات ضد إيران قد أضعفتها كثيرا، يُثار تساؤل حول مدى انعكاس ذلك على واقع حركة “ميليشيا الحوثيين” في اليمن، التي تسيطر منذ 11 عاما على العاصمة صنعاء، وعدة محافظات تحوي أكثر من نصف السكان.
و”ميليشيا الحوثي”، معروفة بولائها الكبير لإيران، وسبق أن واجهت اتهامات يمنية ودولية وأممية بتلقي الدعم العسكري والمالي من نظام طهران.
وسبق أن انخرطت هذه الميليشيا في حرب ضد إسرائيل منذ نهاية 2023 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بينما شنت تل أبيب عدة هجمات ضد الحوثيين، أحدها أدت إلى مقتل رئيس حكومة الجماعة أحمد الرهوي وتسعة من وزرائه.
وحتى الآن لم تصدر هذه “الميليشيا”، موقفا واضحا بشأن إمكانية تدخلها في التطورات الحالية بالمنطقة، لكن زعيمها عبدالملك الحوثي قال في كلمة قبل أيام إنهم في أهبة الاستعداد لأي تطورات لازمة.
انعكاسات كبيرة على “ميليشيا الحوثي”
وفي ظل استمرار التصعيد في المنطقة، ثمة من يرى أن إضعاف إيران سيكون له تأثيرات على جماعة الحوثي في اليمن.
وفي السياق، يعتقد الباحث اليمني الدكتور عادل دشيلة أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران سيكون لها انعكاسات كبيرة على “ميليشيا الحوثي”، كما هو الحال مع بقية الأطراف أو الجماعات الموالية لطهران في المنطقة، سواء في العراق أو لبنان أو اليمن.
وأوضح دشيلة أن السؤال المطروح يتعلق بمدى تأثيرها على الحوثيين، سلبا أو إيجابا، وهو أمر يعتمد بدرجة أساسية على طبيعة العمليات العسكرية في المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستتوسع.
أضاف أنه في حال توسعت الحرب بشكل مباشر بين إيران ودول عربية، فإن “ميليشيا الحوثي” قد تتدخل بشكل أكبر إلى جانب المشروع الإيراني بهدف خلط الأوراق، ما يعني أن الخيار العسكري سيكون مطروحا بقوة لإخراج الجماعة بأي وسيلة من المشهد، بدعم إقليمي ودولي، خصوصا أن قوى محلية في الداخل اليمني، على استعداد للانقضاض على مشروع “الميليشيا” إذا توفرت الظروف المناسبة.
وأشار دشيلة إلى أن الوضع الراهن، رغم كونه يحمل سمات حرب إقليمية، لم يصل بعد إلى مرحلة المواجهة المباشرة المعلنة بين إيران ودول الخليج، إذ لا تزال هناك محاولات لتجنب مزيد من التصعيد، لكنه نبه إلى أن نجاح هذا السيناريو غير معروف، في ظل ما وصفه بتخبط إيراني قد يدفع نحو توسيع دائرة الصراع.
واعتبر أن السيناريو الآخر يتمثل في عدم تورط “ميليشيا الحوثي” عسكريا بشكل أكبر مما هو حاصل حاليا، والاكتفاء بإعلان الموقف السياسي الداعم لإيران دون الدخول المباشر في الحرب.
وفي هذه الحالة، يرى دشيلة أن “ميليشيا الحوثي” ستضعف أيضا، ولكن بصورة مختلفة، إذ ستكون في موقع أضعف خلال أي عملية سياسية مستقبلية، لأن مخرجات الحرب، مهما كانت، لن تكون في صالح محور إيران أو مشروعه الإقليمي القائم على التمدد.
ونبه إلى أن مستقبل هذه “الميليشيا” مرتبط بمخرجات هذه الحرب التي لن تكون في صالح المشروع الايراني القائم على التمدد مما يعني أن الحوثيين سيخرجون من السلطة سلما أو حربا.
وتابع “أما إذا لم تدخل الجماعة في الصراع فسيكون لها نصيب في أي تسويه سياسية قادمة ولكن ليس نصيب الأسد، وستكون طرفا في أي عمليه سياسية لكن ليس الطرف الذي يفرض شروطه”.
مصير مرتبط بإيران
حتى اليوم لم تنخرط “ميليشيا الحوثي” في الصراع الجديد بالمنطقة، إذ ربما فضلت عدم التدخل المباشر خشية تعرضها لإضعاف أكبر؛ خصوصا أنها تعيش في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.
وفي السياق، يرى الصحافي المتخصص في الشؤون العسكرية، عدنان الجبرني، أن تأثر الحوثيين في الصراع الحالي بالمنطقة، مرتبط بمدى تضرر إيران وحجم الضرر أو الانهيار الذي قد يلحق ببنية الحرس الثوري الإيراني تحديدا، إضافة إلى ما ستخرج به القيادة الإيرانية الجديدة من قناعة بشأن نفوذها الإقليمي بعد هذه الحرب.
أضاف أن جماعة الحوثي تعتمد على إيران في مجالات رئيسية، مثل التكنولوجيا العسكرية، ونقل الخبرات والتدريب، وإمدادات الصواريخ والدعم اللوجستي، فضلا عن الدعم المالي المباشر وغير المباشر، وبالتالي، فإن الانعكاس المتوقع يمكن تقديره وفق مستوى الضرر الذي يصيب المركز الإيراني، ومدى مآلات الحرب، سواء انتهت إلى إسقاط النظام أو مجرد إضعافه فقط.
ولفت إلى أن الحوثيين باتوا يمتلكون قدرة على القتال الذاتي بالمستويات التي خاضوها خلال العامين الماضيين، لكن التأثير الأكبر سيظهر في القدرة التعويضية في حال توقفت عمليات تهريب الأسلحة إليهم، وكذلك في حجم المخزون التسليحي، إضافة إلى توقف بعض مشاريع تطوير الصواريخ المتقدمة التي تنقلها إليهم إيران، مع توقع حدوث أضرار مالية نتيجة تراجع مصادر الدعم.
وحول مستقبل “ميليشيا الحوثي” سياسيا وعسكريا في اليمن، قال الجبرني إن “خروج إيران من الحرب ضعيفة ومهددة بالتفكك، بما قد يفرض انشغالها بأزماتها الداخلية، وكذلك إضعاف حزب الله في حال تدخله في الحرب، قد يؤدي عمليا إلى انهيار المحور الإيراني في المنطقة، ما قد يجعل الحوثيين أقل جموحا فيما يتعلق بطموحاتهم الإقليمية ويضاعف أعباءهم”.
واستدرك قائلا “مع كل ذلك، قد لا يتوقف الحوثيون عن بناء قدراتهم العسكرية، سواء للعمليات الخارجية أو الحرب الداخلية، مع احتمال أن يحاولوا التكيف مع المتغيرات”.
نظرة الشارع اليمني
التطورات المتسارعة في المنطقة تفاعل معها اليمنيون بشكل كبير، في ظل حالة الترقب والقلق التي يعيشها الشارع تجاه أي تصعيد إقليمي جديد.
المواطن ناصر عبد الرحيم يرى أن اليمنيين لا يرغبون في انخراط بلادهم في هذا الصراع رغم متابعتهم الدقيقة لما يجري. وأوضح أن أولوية اليمنيين اليوم تتمثل في خروج بلادهم من أتون الحرب المستمرة منذ 11 عاما، واستعادة الأمن والاستقرار، بعيدا عن أي حسابات إقليمية أو محاور خارجية. واعتبر أن أي انخراط جديد في صراعات المنطقة سيضاعف من معاناة المواطنين الذين أنهكتهم الحرب والأزمات الاقتصادية والإنسانية.
أضاف أنه لا يفضل انخراط جماعة الحوثي في أي صراع جديد، لأن ذلك سيضر اليمنيين أكثر مما يخدم أي طرف، مشددا على أن مصلحة اليمن تكمن في تحييد البلاد عن التجاذبات الإقليمية، والعمل على بناء دولة محترمة داخل نطاقها الوطني، تستعيد مؤسساتها وتعيد الاعتبار لمفهوم النظام والقانون.
وأشار إلى أن انخراط الحوثيين في أي مواجهة إقليمية سيؤدي إلى إضعافهم بشكل كبير، خاصة في ظل موقف دولي رافض لتوسيع رقعة الصراع أو القبول بالتدخل الإيراني في المنطقة وهجماتها على دول الخليج، ما يعني أن أي تصعيد جديد سينعكس سلبا على واقع الجماعة سياسيا وعسكريا.
وختم بالقول إن أي تأثيرات أو إضعاف قد تتعرض له إيران سينعكس بالضرورة على مستقبل الحوثيين، بحكم الارتباط الوثيق بينهم وبين طهران، ما يجعل الجماعة أكثر تأثرا بالتحولات الإقليمية والدولية الجارية.



