مقالات

العراق.. كيف “تصنع” قانون انتخابات لمعاقبة منافسيك؟

“المدارنت”..
قلنا مرارا إن القانون في العراق ليس قاعدة عامة مجردة، بل هو يرتبط دائما بشخص معين أو جهة محددة، أو بواقعة بذاتها، ويصمم غالبا لخدمة أطراف محددة، وهو تمييزي وانتقائي تحدده المصالح!

منذ عام 2005، وحتى عام 2021، جرت ستة انتخابات برلمانية، صيغت خلالها ستة قوانين أو تعديلات جوهرية على قوانين (قانون رقم 46 لسنة 2004، وقانون رقم 16 لسنة 2005، وقانون رقم 45 لسنة 2013، وقانون رقم 9 لسنة 2020. والتعديلات، قانون رقم 26 لسنة 2009، ومجموعة قوانين تعديلات على قانون رقم 45 لسنة 2013).
اليوم وفي مفارقة غريبة، يراد إجراء تعديلات على قانون انتخابات مجلس النواب رقم (4) لسنة 2023 مع أنه لم تجر انتخابات برلمانية بموجبه أساسا! وكان المستهدف من تشريع هذا القانون حينها التيار الصدري الذي عمل مع حليفه (حزب تقدم) عام 2020 على تشريع قانون انتخابات اعتُمد فيه، لأول مرة، على الدوائر المتعددة داخل المحافظة الواحدة، وفردية الترشيح في الدائرة الانتخابية، مع توزيع الدوائر الانتخابية بطريقة اعتباطية دون أي معيار منطقي، لأجل ضمان الفوز بأكبر عدد من المقاعد بأقل عدد من الأصوات، اعتمادا على ماكنته الانتخابية المحترفة، وعلى الالتزام المطلق للمنتمين إلى التيار الصدري بتوجيهاته. وبالفعل نجح التيار الصدري يومها بالفوز بـ 72 مقعدا، في حين لم يزد عدد مقاعده في انتخاب عام 2018 على 54 مقعدا. فقد وجد الإطار التنسيقي، الذي يضم كل القوى الشيعية باستثناء التيار الصدري، أن بقاء هذا القانون يعني حصول التيار الصدري على رقم مقارب في أي انتخابات قادمة، لهذا عمل على تشريع قانون «ملفق» يدمج بين قانون انتخابات مجالس المحافظات وقانون انتخابات مجلس النواب في قانون واحد، والعودة إلى نظام الدوائر المتعددة على مستوى المحافظات، وإلى نظام التمثيل النسبي وفقا للقوائم الانتخابية، والعودة إلى معادلة «سانت ليغو» لتوزيع المقاعد بعد تعديلها بزيادة الرقم الأول الذي تقسم عليه الأصوات من 1.2 إلى 1.7 لضمان عدم حصول القوائم الانتخابية الصغيرة على مقاعد في مجلس النواب!
خلال الأيام القادمة سيناقش مجلس النواب مقترح تعديل رابع لقانون الانتخابات، بعد أن وجد الإطار التنسيقي أن القانون الذي تم تشريعه عام 2023 فيه ثغرات قد تتيح لأطراف أخرى – غير التيار الصدري- منافستهم على المقاعد الشيعية في مجلس النواب، فقد وجدوا أن انتخابات مجالس المحافظات التي جرت في كانون الأول/ ديسمبر 2023، قد مكنت محافظين متمردين من الحصول على أصوات كثيرة أتاحت لهم مواجهة هيمنة الإطار التنسيقي على تلك المحافظات، وفرض شروطهم عليه، كما وجدوا أن تولي السيد محمد شياع السوداني لرئاسة مجلس الوزراء، ستوفر لهم فرصة كبيرة لمنافستهم في انتخابات مجلس النواب القادمة، من خلال تشكيل قائمة انتخابية ستنافس الإطار التنسيقي على الحصة الشيعية من مقاعد مجلس النواب حصرا (وذلك لعدم إمكانية اختراق جمهور التيار الصدري). كما يمكنه أن يكرر تجربة رئيس مجلس الوزراء الأسبق حيدر العبادي في تشكيل قائمة سنية، أو قوائم سنية، من أجل ضمان العودة لولاية ثانية.
تضمَن مقترح التعديل مادة تنص على أن توزيع مقاعد الدوائر الانتخابية كالآتي: «تخصيص نسبة 30 في المئة من المقاعد للحاصلين على أعلى الأصوات، وتخصص 70 في المئة منها لمرشحي القوائم الآخرين، بعد أن يتم استبعاد أصوات الفائزين بأعلى الأصوات من تلك القوائم»!
هذا هو جوهر التعديل، ويراد منه، عمليا، منع رئيس مجلس الوزراء، ومنع المحافظين المتحالفين معه وغيرهم، من الحصول على مقاعد كثيرة في الانتخابات القادمة، فمراجعة نتائج الانتخابات الماضية تكشف حصول رؤساء مجالس الوزراء على أصوات كثيرة، مكنتهم من ضمان مقاعد كثيرة لقوائمهم الانتخابية (نوري المالكي في عامي 2010 و2014 وحيدر العبادي في العام 2018) ومن ثمّ، فان فوز السيد محمد شياع السوداني بمقعد وحيد ضمن نسبة الـ 30 في المئة المقترحة، سوف تحرم قائمته الانتخابية من هذه الأصوات، وبالتالي تمنعه من الحصول على مقاعد كثيرة.
وإذا ما حللنا نتائج انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة كنموذج، فقد حصل محافظ البصرة في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة على 164834 صوتا، فيما حصلت قائمته الانتخابية ككل على 281370 صوتا، ليحصل على 12 مقعدا من مقاعد مجلس المحافظة البالغ عددها 23 مقعدا، وهو ما مكّنه من العودة إلى منصب المحافظ ضد إرادة الإطار التنسيقي. أما وفقا للقانون المقترح فإنه إذا فاز بعدد الأصوات نفسه في انتخابات مجلس النواب (مع الانتباه إلى أن عدد مقاعد محافظة البصرة في مجلس النواب هي 25 مقعدا) فانه سيفوز بمقعد وحيد ضمن نسبة الـ 30 في المئة المخصصة لأعلى الأصوات، فيما لن تحصل قائمته الانتخابية من دون أصواته (سيتبقى 116.536 صوتا) سوى على 3 مقاعد، وبالتالي تحصل قائمته الانتخابية على 4 مقاعد فقط وفقا للقانون الجديد، بدلا من 12 مقعدا كما في القانون القديم!.
وهذا يعني عمليا أن القانون المقترح يصادر صوت الناخب حرفيا، ويطيح بمبدأ التمثيل النسبي الذي يتعامل مع قوائم انتخابية وليس مع مرشحين أفراد، وبالتالي التصويت يكون للقائمة والمرشح معا وليس للمرشح وحده. فضلا عن أن القانون المقترح سيحدث تفاوتا في قيمة الصوت الانتخابي، وتمايزا غير دستوري بين صوت وآخر، فعندما تحذف أصوات الفائزين الأعلى أصواتا من القائمة الانتخابية، فإن هذا يعني إهدار صوت ناخبيهم، في مقابل مضاعفة قيمة أصوات ناخبين آخرين في قوائم أخرى ليس فيها فائزون بأصوات عالية (أي تفاوت عدد المقاعد بين قائمة وأخرى رغم حصولها على عدد الأصوات نفسه). ولو كانت هناك محكمة اتحادية حقيقية لحكمت بعدم دستورية هذا القانون من أول جلسة!.
وتتحول المفارقة إلى مهزلة حقيقية حين نجد نصا في القانون المقترح يقول إنه «يعد كل من المحافظ وعضو مجلس المحافظة عند ترشحه لانتخابات مجلس النواب وفوزه، مستقيلا بحكم القانون من منصبه ويمنع عليه العودة اليه». فهذه المادة مصممة للمحافظين أيضا، إذا عمد بعض المحافظين إلى الترشيح لمجلس النواب لضمان حصول قوائمهم على أصوات كثيرة، ثم لا يؤدون اليمين القانونية خلال مدة الشهر التي حددها القانون، فيتم استبدالهم بمرشحين آخرين من قوائمهم الانتخابية، وبالتالي يريد القانون قطع الطريق على هؤلاء.
ويتضمن القانون المقترح فقرة إشكالية أخرى، وهي تقسيم محافظات بغداد ونينوى والبصرة، حصرا، إلى دائرتين انتخابيتين، وهو ما سيتيح للفاعلين السياسيين المهيمنين على القرار في مجلس النواب من تقسيمهما بشكل اعتباطي لضمان النتائج مسبقا، خاصة في محافظتي بغداد ونينوى بسبب طبيعة الصراع الحاد المذهبي والقومي فيهما.
مع كل قانون انتخابات جديد، أو تعديل لقانون انتخابات، يثبت النظام السياسي العراقي أنه لايزال بعيدا عن النضج، وبعيدا تماما عن ضمان انتخابات نزيهة وعادلة وشفافة، ليس بسبب انتهازية الفاعلين السياسيين وحسب، بل لأن طبيعة النظام السياسي نفسها تتيح لهم أن يتلاعبوا بالقوانين كيف يشاؤون!.

يحيى الكبيسي/ “القدس العربي”
المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى