مقالات

العلاقة السياسية والعسكرية بين الحكومة السورية و”قََسَد”..!

عمر الحسيني/ سوريا

خاص “المدارنت”
بعد سقوط نظام (الطاغية المخلوع) بشار الأسد، في 8 كانون الأول/ “ديسمبر” 2024، وتشكّل حكومة سورية انتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، دخلت العلاقة بين الحكومة الجديدة و”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) مرحلة إعادة صياغة شاملة. فقد كانت “قَسَد”، قبل ذلك تسيطر على أجزاء واسعة من شمال وشرق سورية، وتدير تلك المناطق عبر ما عُرف بالإدارة الذاتية الكردية.

في آذار/ مارس 2025، جرى توقيع اتفاق سياسي بين دمشق وقيادة “قسَد” يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية والقوات العسكرية التابعة لها ضمن مؤسسات الدولة السورية خلال فترة انتقالية. غير أن تنفيذ هذا الاتفاق واجه تعثّرات كبيرة بسبب الخلافات حول عدد من الملفات الحساسة، وفي مقدمتها شكل الحكم المحلي في المناطق ذات الغالبية الكردية، والسيطرة على حقول النفط والغاز، وآلية دمج “قوات قَسَد” في الجيش السوري، إضافة إلى مستقبل القيادات المرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني”.

ملامح العلاقة بين الماضي والحاضر
ومستقبل غير محسوم
يمكن وصف العلاقة بين الطرفين؛ بأنها علاقة مركّبة تجمع بين التعاون والصراع في آن واحد، وتتجلّى هذه الازدواجية في عدد من الوقائع السياسية والعسكرية.
1/ اتفاقات سياسية ووقف إطلاق نار
في كانون الثاني/يناير 2026، تم التوصل إلى اتفاق جديد تضمّن وقفاً لإطلاق النار بين الجانبين، وبدء عملية دمج تدريجية للقوات والمؤسسات، مع انتشار قوات الحكومة السورية في بعض المناطق الاستراتيجية.
كما نصّ الاتفاق على دمج عناصر قسد في الجيش السوري بشكل فردي بعد إجراء تدقيق أمني، إضافة إلى عودة المعابر الحدودية وحقول النفط إلى سلطة الدولة.

2/ توترات عسكرية متقطعة انتهت بتغير موازين السيطرة
على الرغم من الاتفاقات، شهدت عدة مناطق اشتباكات متقطعة بين الطرفين، ولا سيما في محيط حلب ودير الزور ومنبج. وقد أدت هذه التوترات إلى توقيع وقف إطلاق نار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لكن الخروق استمرت بصورة محدودة. وفي كانون الثاني/يناير 2026 شنّت الحكومة السورية عملية عسكرية محدودة في شمال شرق البلاد؛ بهدف الضغط على “قَسَد” لتنفيذ بنود الاتفاق. وأسفرت هذه العملية عن استعادة الحكومة السيطرة الكاملة على محافظتيْ دير الزور والرقة، ما أدى إلى تقليص نطاق انتشار “قَسَد” بشكل كبير.
وتوقف العمل العسكري لاحقاً على تخوم محافظة الحسكة؛ لتجنّب انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، كان يمكن أن تفتح الباب أمام “سيناريوهات” شديدة التعقيد، وربما تدفع البلاد نحو صدام داخلي واسع.

3/ تحولات في التحالفات الدولية
ترافقت هذه التطورات مع تغيرات في موازين الدعم الخارجي، وتراجعت العلاقة بين “قًسًد” والولايات المتحدة تدريجياً، بعد انحسار الدور الأساسي للتحالف الدولي ضد “تنظيم داعش”، الأمر الذي دفع “قَسَد” إلى الاقتراب أكثر من دمشق، بحثاً عن صيغة تضمن بقاءها السياسي والعسكري ضمن المشهد السوري الجديد.

العوامل التي تحدد مستقبل العلاقة
استمرار العلاقة بين الحكومة السورية و”قَسَد”، يرتبط بعدد من العوامل الرئيسية التي ما تزال قيد التفاوض أو التوازن.
أول هذه العوامل: هو قضية الحكم المحلي الكردي. فقيادة “قَسد” طالبت بدرجة من الإدارة المحلية أو اللامركزية، بينما تسعى الحكومة المركزية إلى إعادة بسط سيطرة الدولة على كامل مؤسساتها، وترفض أي صيغة يمكن أن تُفسَّر على أنها حكم ذاتي مستقل. ومع ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى انتقال تدريجي لبعض المراكز الإدارية والأمنية إلى سلطة الدولة، مع العمل على دمج ما تبقى من مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن الإطار الحكومي في محافظة الحسكة.

العامل الثاني: يتمثل في ملف الموارد الطبيعية. فالمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة “قسَد” تضم القسم الأكبر من حقول النفط والغاز السورية، وهو ما جعلها ورقة ضغط أساسية في المفاوضات. إلا أن استعادة الحكومة السيطرة على معظم هذه الحقول، قلّص إلى حد كبير قدرة “قسَد” على استخدام هذا الملف كورقة تفاوضية مؤثرة.

أما العامل الثالث: فهو الموقف التركي. فتركيا تعارض بشدة قيام أي كيان كردي مسلح قرب حدودها الجنوبية، وتمارس ضغوطاً سياسية وعسكرية لإنهاء أي صيغة استقلالية لـ”قسَد”، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة التسوية التي يمكن أن تتبلور بين دمشق وقسد.

العامل الرابع يتعلق بدور القوى الدولية. فالتوازن بين الولايات المتحدة وروسيا، إضافة إلى تأثير الدول الإقليمية، ما يزال يلعب دوراً مهماً في توجيه مسار العلاقة بين الطرفين وفي رسم حدود التسوية الممكنة.

الرؤية المستقبلية
في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة و”قسَد” تحالفاً كاملاً، ولا صراعاً مفتوحاً، بل مرحلة انتقالية يفرضها ميزان القوى والظروف الإقليمية.
ومن المرجح أن تتجه الأمور نحو أحد مسارين رئيسيين: إما الاندماج التدريجي لـ”قسَد” في الجيش ومؤسسات الدولة، مقابل بعض الضمانات السياسية والإدارية للمكوّن الكردي، وهو مسار بدأت ملامحه تظهر في التطورات الأخيرة،
أو عودة التوتر والتصعيد العسكري؛ إذا تعثرت عملية الدمج أو رفضت “قسَد” التخلّي عن استقلالها العسكري والتنظيمي.

في المدى القريب، يبدو أن الطرفين يميلان إلى الحفاظ على اتفاقات التهدئة؛ واستكمال مسار التفاوض، خصوصاً لتجنّب اندلاع مواجهة واسعة في محافظة الحسكة. ومع ذلك تبقى العلاقة هشّة، وقابلة للتبدل سريعاً تبعاً للتطورات السياسية والعسكرية داخل سورية وفي محيطها الإقليمي.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى