عميد متقاعد وصناعة خطاب النصر!

“المدارنت”
ظهر أن إحدى مشكلات الممانعة، أنها لم تُنتج خطابًا بقدر ما فرزت نماذج. نماذج صعدت فجأة إلى الشاشات، تتحدث بالسياسة والتكنولوجيا والاستراتيجيا، كأنها كانت طوال عمرها في غرف العمليات، لا في مقاهي الضيع المعزولة.
شكلت تلك النماذج أحد أبرز أسباب الفوضى والخراب الذي نعيشه.
أعرف شخصًا عن قرب، ولي في عنقه ثلاثمئة دولار منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا.
فجأة رأيته على شاشتي “المنار” و”الجديد” يحلل، ويتحدث عن استراتيجيات، وعن تكنولوجيا قادرة أن تقلب العالم رأسًا على عقب.
والمصيبة أن شريط التعريف كتب تحت صورته: العميد المتقاعد.
لم يكن عسكريًا يومًا، ولم يتقاعد من شيء…
لم تكن قصة “العميد المتقاعد” مجرد حكاية فردية.
بل نموذجًا لآلية كاملة رفعت أشخاصًا من الهامش إلى موقع صناعة الخطاب.
فتكاثرت الأصوات المرتجلة، واليقين الفارغ، والمبالغات التي لا سند لها…
حتّى صار الخطاب نفسه يشبه سوق الأحد في الصويري:
كل بائع يصرخ بصوت أعلى من الآخر، وما من أحد يزن الكلام بميزان العقل.
فنموذج يخرج ليقول بكل خفة: “الكعبة بيت جدّي… بدّي بيت جدّي”.
ونموذج آخر يطالب رئيس الجمهورية جوزيف عون بالتنحي، ويهدد رئيس الحكومة، كأن الدولة حاكورة ورثها عن جدّه.
وثالث يحدثنا بثقة عن إسقاط تل أبيب بثلاث ثوانٍ.
ورابع عن عصفورة تتوعد أن تبيد الأبرياء…
والناس يسمعون، بعضهم يصدق، وبعضهم يهز رأسه مستشرفًا ما هو قادم.
نماذج تصدّرت المشهد بشهادات مزورة، صارت تكتب خطاب التصدي والتعبئة والتثقيف.
خطابٌ كشفت الحرب كم هو هشّ، وكم فيه من سذاجة وضجيج؛ أكثر مما فيه من عقل وبصيرة.
وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهد يشبه بيتًا قرويًا قديمًا أهار سقفه الإهمال:
فريح تدخل من كل جهة، وغبار يتطاير في الهواء.. والنتيجة فوضى وركاكة وهزال، يدفع ثمنه كل البلد.



