بين تمويل الرواتب والعدالة الضريبية.. أي دولة نريد في زمن الانهيار؟

خاص “المدارنت”
في لحظةٍ يرزح فيها اللبناني تحت وطأة الانهيار الاقتصادي في لبنان، لا تبدو زيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين؛ أو رفع ضريبة الـTVA بنسبة 1%؛ مجرد إجراءات مالية عابرة. صحيح أن الهدف المعلن لهذه الزيادات هو تمويل رفع رواتب موظفي القطاع العام بعد سنوات من تآكل أجورهم، لكن السؤال الجوهري ليس في مشروعية تحسين الرواتب بحد ذاتها، بل في الطريقة المعتمدة لتمويلها.
فموظفو القطاع العام ليسوا خصمًا للمجتمع، بل جزء منه، وقد تضرروا كما تضرر سائر اللبنانيين. غير أن تمويل تصحيح رواتبهم عبر ضرائب غير مباشرة تُفرض على الجميع، وفي مقدمتهم الفئات الأضعف، يطرح إشكالية عدالة عميقة: هل يجوز معالجة خللٍ اجتماعي عبر خلق خللٍ آخر؟
استمرارية النهج لا استثنائيّته
هذه المقاربة ليست جديدة، بل امتداد لسياسات اعتمدتها حكومات متعاقبة، معالجة الأزمات بالجباية السريعة بدل الإصلاح البنيوي. ففي كل مرة تواجه الدولة عجزًا ماليًا، يُلجأ إلى الطريق الأسهل — رفع الرسوم والضرائب غير التصاعدية — بدل فتح ملفات الهدر، والاحتكارات، والتهرب الضريبي، وإعادة هيكلة الإنفاق العام.
هكذا يُعاد إنتاج النموذج نفسه الذي راكم الدين العام وأوصل البلاد إلى الانهيار، لكن تحت عنوان مختلف.
المسألة سياسية قبل أن تكون مالية
الضريبة ليست رقمًا محايدًا، بل خيار سياسي يعكس أولويات السلطة. عندما يُموَّل تصحيح الرواتب عبر زيادة على المحروقات ورفع TVA، فإن العبء يتوزع شكليًا على الجميع، لكنه يثقل فعليًا كاهل أصحاب الدخل المحدود والعاملين في القطاع الخاص والعاطلين عن العمل. فارتفاع المحروقات يعني ارتفاعًا عامًا في الأسعار، أي تضخمًا إضافيًا قد يلتهم جزءًا من الزيادات نفسها.
مسؤولية سياسية لا تقنية
لم يعد جائزًا الاختباء خلف لغة الأرقام والتوازنات المحاسبية. ما يجري هو خيار سياسي واضح تتحمل مسؤوليته الطبقة الحاكمة بكل تلاوينها، لأنها هي نفسها التي أدارت الدولة خلال عقود التراكم والانهيار، وهي نفسها التي ترفض اليوم المساس ببنية الامتيازات التي تحمي مصالحها. فالضرائب غير المباشرة تُفرض بسرعة، أما الإصلاحات التي تطال مراكز النفوذ والاحتكار والتهرّب المنظم فتبقى مؤجلة أو مُفرغة من مضمونها.
إن السلطة التي تعجز عن المساس بالاحتكارات، وعن استرداد الأموال المنهوبة، وعن فرض رقابة فعلية على مكامن الهدر، لا يمكنها الادعاء بأن زيادة الضرائب هي «ضرورة وطنية». الضرورة الوطنية الحقيقية تبدأ بإعادة ترتيب الأولويات: حماية المجتمع قبل حماية المنظومة، وتصحيح الخلل البنيوي قبل تحميل المواطن كلفة التصحيح.
أزمة عقد اجتماعي
جوهر الأزمة اليوم، ليس ماليًا فحسب، بل هو أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن الذي لا يحصل على خدمات أساسية مستقرة، ولا تغطية صحية شاملة، ولا ضمان اجتماعي فعّال، يُطلب منه في الوقت ذاته أن يموّل عجز الدولة. هنا يتصدع مفهوم العقد الاجتماعي، ضرائب بلا حماية، وجباية بلا خدمات.
إن العدالة الضريبية ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا لاستعادة شرعية الدولة. وكل سياسة مالية لا تراعي هذا التوازن؛ ستُعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتُراكم شعورًا عامًا بالظلم والتهميش.

تأثير شروط صندوق النقد الدولي والمفاوضات:
دروس من التجارب الدولية
لا يمكن فهم السياسات الضريبية الأخيرة بمعزل عن الضغط الخارجي، الذي يمارسه صندوق النقد الدولي على الحكومة اللبنانية. المفاوضات الجارية تهدف إلى فتح خطوط تمويل لإنقاذ الاقتصاد، لكن هذا التمويل غالبًا ما يكون مشروطًا بإصلاحات هيكلية. الزيادة في أسعار البنزين ورفع TVA يمكن قراءتها كخطوات لتلبية توقعات الصندوق، حيث يُنظر إليها على أنها وسيلة سريعة لزيادة الإيرادات العامة، بما يُظهر التزام الحكومة بخفض العجز المالي.
لكن التجارب الدولية تظهر أن تطبيق هذه الإصلاحات دون مراعاة العدالة الاجتماعية قد يؤدي إلى نتائج مدمرة. على سبيل المثال:
* في اليونان بعد 2010، فرض صندوق النقد إصلاحات صارمة وخصخصات ورفع الضرائب على الطبقات الوسطى والفقراء، ما أدى إلى ركود اقتصادي حاد وزيادة البطالة وتدهور مستوى المعيشة لسنوات.
* في الأرجنتين في التسعينيات، أدت سياسات تقشفية مماثلة مشروطة بالقروض الدولية إلى انفجار اجتماعي، زيادة الفقر، وأزمات سياسية متكررة.
* حتى في مصر بعد 2016، واجه المواطنون زيادات في الوقود والطاقة مع شروط الصندوق، ما زاد من تكاليف المعيشة بشكل كبير رغم الاستقرار المالي الجزئي.
* هذه الأمثلة تُظهر أنه إذا لم تُصمَّم الإصلاحات اللبنانية بطريقة تراعي الفئات الأكثر هشاشة، فإن زيادة الضرائب والرسوم لتلبية شروط التمويل الخارجي؛ لن تكون سوى عبء إضافي على المواطن، وربما تؤدي إلى تكرار “سيناريوهات” اجتماعية واقتصادية سلبية مشابهة لتلك التي شهدتها دول أخرى.
لحظة مفصلية لا تحتمل المواربة
لم يعد ممكناً التعامل مع القرارات المالية كأنها تفاصيل تقنية في دفتر حسابات الدولة. نحن أمام مفترق سياسي حقيقي، إمّا الاستمرار في إدارة الانهيار عبر تحميل المجتمع كلفة أخطاء السلطة، وإمّا الشروع في مسار إصلاحي جذري يطال بنية الحكم نفسها.
المطلوب اليوم، ليس تجميل السياسات ذاتها بعبارات إصلاحية، بل تغيير المنطق الذي يحكمها منطق يقوم على المحاسبة لا المحاصصة، على الإنتاج لا الريع، على العدالة الضريبية لا الجباية العمياء، وعلى دولة تحمي مواطنيها بدل أن تستنزفهم.
أما الاستمرار في النهج ذاته، مع توقّع نتائج مختلفة، فليس سوى إنكار سياسي للواقع. فالقوانين الاقتصادية لا تُجامل أحدًا، والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه. وإذا بقيت السياسات العامة أسيرة العقلية نفسها التي أوصلت البلاد إلى الهاوية، فإن ما ينتظرنا لن يكون استقرارًا مؤجلاً، بل تعميقًا للانهيار وتآكلًا إضافيًا لما تبقّى من ثقة بين الدولة ومواطنيها.
إن كسر هذا النهج ليس ترفًا سياسيًا، بل شرطَ بقاء. وأي سلطة لا تدرك ذلك، إنما تضع نفسها في مواجهة مستقبل لن تحميها فيه التبريرات ولا الحسابات الضيقة.



