حروب الاحتلال الأخرى.. جرائم الاستيطان وعنف المستوطنين!
“المدارنت”
ليست ساحات قطاع غزة وجنوب لبنان والجولان السوري المحتل ومدن إيران ومنشآتها هي وحدها خرائط حروب دولة الاحتلال، إذْ لا تُستثنى مخيمات وقرى وبلدات ومدن الضفة الغربية والقدس المحتلة من فظائع المعارك والمجازر والانتهاكات. أو هي بالأحرى لم تكن استثناء في أي يوم على امتداد تاريخ الكيان الصهيوني، سواء عن طريق ممارسات جيش الاحتلال وشرطته وأجهزته الأمنية، أو الإجراءات العسكرية والقضائية ذات الطابع العنصري والتعسفي، أو جرائم مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان والمستوطنات، أو تشجيع عنف المستوطنين بوسائل التحريض وتأمين الحماية الحكومية.
وكانت الحكومة الإسرائيلية، وهي الأكثر يمينية وعنصرية وفاشية وتديناً على امتداد تاريخ دولة الاحتلال، باعتراف أنصارها قبل خصومها، قد استبقت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران بالمصادقة على ابتداء ما سُميت “عمليات تسجيل الأراضي في الضفة الغربية”، وذلك في سابقة أولى منذ سنة 1967، وفي انتهاك فاضح للقانون الدولي لقرارات أممية تطالب بوقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ولا تقرّ بشرعية إنشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ومؤخراً أصدرت منظمة “سلام الآن” غير الحكومية تقريراً يؤكد أن سنة 2025 كانت قياسية من حيث ضرب الأرقام القياسية في أعداد المستوطنات الجديدة، ومعها بالتوازي المزيد من بؤر الاستيطان غير الشرعية والتخطيط لوحدات سكنية إضافية والإعلان عن مناقصات بناء وإسكان. وكل هذا ترافق، كما شدد التقرير، مع فشل الحكومة في تأمين المساكن والإقامات لآلاف الإسرائيليين الذين جرى إجلاؤهم من مناطق في الجنوب والشمال بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والحرب ضد قطاع غزة وجنوب لبنان.
وعلى سبيل ذرّ الرماد في العيون وتضليل الرأي العام العالمي حول سيادة القانون بموجب “الديمقراطية الإسرائيلية”، أصدرت المحكمة العليا أمراً قضائياً مشروطاً يطالب قائد قوات الاحتلال ورئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية بتبرير فشلهما في حماية مزارعين فلسطينيين من اعتداءات وأعمال عنف المستوطنين. وحددت المحكمة شخص موشيه شرفيت، الذي أنشأ بؤرة استيطانية في سنة 2020 وأقام حاجزاً لمنع المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى مزارعهم، ويحظى بحماية الجيش الإسرائيلي، رغم أنه مدرج على قوائم عقوبات الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا واليابان والولايات المتحدة.
وهذا الأمر القضائي، مثل عشرات سواه، سوف يبقى حبراً على ورق مقابل تقارير فلسطينية وإسرائيلية غير حكومية وأممية ترصد معطيات العنف المزدوج من جانب سلطات الاحتلال وقطعان المستوطنين، برعاية وتحريض من وزراء متطرفين أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش، وموافقة ضمنية من رئيس حكومة الاحتلال أساساً.
ومنذ بدء حرب الإبادة في قطاع غزة، سجلت الضفة الغربية استشهاد ما لا يقل عن 1117 فلسطينياً، وإصابة نحو 11,500 آخرين، واعتقال نحو 22 ألفاً، بينما تجاوزت البؤر الاستيطانية الرقم القياسي 290 حتى ربيع 2025، وخلال هذا العام وحده طُرحت مناقصات لبناء 9629 وحدة سكنية.
هذه حروب أخرى، إذن، يخوضها كيان قائم أصلاً على اغتصاب الأرض والاستيطان والعسكرة والقوانين العنصرية ومنظومات الأبارتيد، ومن المحال أن تحجب الأكاذيب حقائق جرائمها الصارخة.



