عــادات وتـقــالـيــد لا تُـنســى..
“المدارنت”..
حكاية تروى من زمن مضى، وتعمل الشعوب في ثوراتها على عودته. لكن كنت أتمنى ممن نشرها أن يكتب اسمه، فهي حكاية تستأهل أن تكون موضع اعتزاز، ليس لجهة التاجر وأخلاقه، وإنما لجهة المجتمع كله، وأخلاقه السائدة التي تعبر عن الأصالة. والقيم والرقي، ومثل هذه الأخلاق، كانت ضحية الأولى نظم الاستبداد والفساد والطائفية والقتل.
د. مخلص الصيادي
***
… على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاماً على تلك الحادثة، إلا أنني ما زلتُ أتذكرُ تفاصيلها وأتذكرُ وجه ذلك الرجل وابنه!
عندما أُعلنت نتائج الشهادة الإعدادية في الجرائد الرسمية، وشاهدتُ اسمي في الجريدة.. كانت فرحتي بالإسم أكثر من فرحتي من مجموع العلامات، على الرغم أنها كانت ممتازة في ذلك الزمان.!
في اليوم التالي للنتائج، قررتُ السفر من السويداء الى دمشق.. كان في جيبي ليرة معدن وخمس ليراتٍ سوريا ورق.
دفعتُ أجرة الباص ليرة وبقي معي خمس ليراتٍ ورق، وكنتُ قد قررتُ أن أشتري حلوياتٍ من دمشق وبخاصة الكعك الشامي.!
بعد أن ذهبتُ الى سوق الصالحية والحميدية توجهتُ الى باب الجابية.. ودخلتُ الى محل حلوياتٍ.. وطلبت من صاحب المحل الذي كان يجلس ابنه الصغير بجانبه.. كيلو كعك وكيلو برازق وكيلو غْرَيْبة.. ولكن عندما مددتُ يدي الى جيبي.. لم أعثر على الخمس ليراتٍ الورقية ..!!
وبدى الحزنُ واضحاً علي.. واعتذرتُ من التاجر.. وقلتُ: سأعود لاحقاً لأخذ ما طلبته.!
نظر التاجر الي مبتسماً.. وقال: هل نسيتَ المال في البيت؟
قلتُ: أعتقدُ أنني أضعت المبلغَ ..فقد كان في جيبي خمس ليرات ورق !!
قال: أين تسكن ؟
قلت: في السويداء يا سيدي..!!
قال: اجلس يابني .. وارتح قليلاً..!!
ثم صبَّ لي كأساً من الشاي وقال:
– تفضل واشرب الشاي مع ابني..!!
جمع التاجرُ ما وَزَنهُ من كعكٍ وبرازق وغريبة في كيس ورقي.. وقال:
– خذ هذا الكيس وفي المرة القادمة تسدد ثمن ما اشتريت.!!
قلتُ: يا سيدي قد لا أعود الى دمشق الا بعد فترة طويلة.. وأعتذر لأني لا أستطيع الاستدانة من أحد..!!
قال: أنا متأكدٌ يا بني أنك ستعود .وستسدد ثمن البضاعة..!!
وأصرَّ عليَّ أن أحمل البضاعة.!
أخذت الحلويات وكلي خجلٌ من هذا الموقف.. وودعته وابنه وغادرتُ المحل.. وبعد أن مشيتُ عدة خطوات على الطريق واذا بابن التاجر ينادي علي.!
توقفتُ.. فقال: لقد وجد والدي الخمس ليراتٍ العائدةَ لك في أرض المحل.. يبدو أنها وقعت منك، وقد خصمَ منها ثمن الحلويات.. وهذا الباقي.!
كانت فرحتي كبيرة.. لأني لم أحمل هم دينٍ في رقبتي من ناحية ولأني سأدفع أجرة الباص للعودة الى السويداء دون الطلب من أحدٍ .!
شكرتُ الطفل وأرسلتُ شكري معه لوالده.. ووضعتُ المبلغ في جيبي.!
عندما وصلتُ الى البيت في السويداء.. فتشتُ في جيوب البنطال الذي ألبسه فوجدتُ الخمسَ ليراتٍ في الجيبة الخلفية.!
أخبرتُ والدي بما حدث.. فابتسمَ.. وقال: يا بُنَي هؤلاء تجار الشام.. هم تجار أباً عن جد.. وهم يحملون كل معاني الصدق والأمانة والانسانية..
ولكن عليك أن تعيد الخمس ليراتٍ له فهي دينٌ في رقبتك.. وستأخذُ معك خبزاً ( مُلوّحاً ) من خبز والدتك هدية له.. وتدعوه لزيارتنا.!
في الأسبوع الثاني حملتُ معي (لفّة خبز ملوّح) من خبز والدتي وخمس ليراتٍ وعندما رآني من بعيد ابتسمَ وقال: ألم أقلْ لكَ أنك ستعود.. خذ معك كيلو هريسة وسلّم على أهل السويداء!
وما زال وجه ذلك التاجرُ وابنه يمرُّ أمامي.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=