«غزّة ترامب».. من الأفلام إلى الواقع وبالعكس!

“المدارنت”..
نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على منصته للتواصل الاجتماعي «تروث»، مقطعا معدّا بواسطة الذكاء الصُنعي، يصوّر فيه تجسيد «اقتراحاته» تحويل قطاع غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» فتتحول الشوارع المدمرة المليئة بمسلحين إلى ساحل تحطّ فيه اليخوت الفاخرة، وتنتشر ملاهي الرقص الشرقي وتعلو فيه ناطحات السحاب.
تحمل إحدى تلك البنايات اسم «غزة ترامب» وفي إحدى الساحات يعلو تمثال ذهبي له، فيما يحمل أحد الأطفال بالونا كبيرا على صورته، كما تبيع محلات الهدايا التذكارية تماثيل مصغرة له، فيما يظهر هو نفسه يتشمّس على الشاطئ رفقة بنيامين نتنياهو، أو يرقص مع راقصات (بعضهن بلحى، في صورة تحقيرية وساخرة من العرب والمسلمين) كما يظهر حليفه الملياردير الشهير إيلون ماسك في لقطات وهو يأكل الحمص، ويرمي أكوام الدولارات في الهواء للناس.
يجب أن يُعطى السبق في فكرة تحويل غزة إلى أرض للاستثمار العقاري والسياحي إلى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، المهندس الرئيسي لما سُمّي حينها بـ«صفقة القرن» والذي كان قد أدلى بتصريحات في آذار/مارس 2024 وصف فيها واجهة غزة البحرية بأنها «قيّمة للغاية».
استغرق الأمر 10 أشهر أخرى، ليصبح هذا مشروع ترامب نفسه، الذي يحقق، في الوقت نفسه، أحلام قادة الاستيطان، الذين رأوا في كوشنر، اليهودي المتشدد ورجل الأعمال المتخصص في مجال العقارات، منذ تعيينه مستشارا لترامب في ولايته الأولى، رجلهم الذي يدافع عن مصالحهم، والذي يُعرف عنه تبرعه «بمئات ملايين الدولارات» لإسرائيل ومستوطنات الضفة الغربية والجيش الإسرائيلي.
بتدميرها شبه الكامل للقطاع، أعطت آلة القتل والهدم العسكرية الإسرائيلية فكرة الأرض «الفارغة» والجاهزة للاستثمار لترامب، ومع عملها الحثيث على تنفيذ الإبادة الجماعية للفلسطينيين وخطط التطهير العرقي لأهالي غزة، تراكبت فكرة كوشنر لـ»التطوير العقاري» على فكرة ترامب لـ»التطهير العرقي» وعلى خطط حكومة نتنياهو، التي استلمت هذه الهدية الكبرى، وبدأت بتأجيج مفاعيلها وتوظيفها في اتجاه الضفة الغربية، وبعد أن كان حديث كوشنر عن «واجهة غزة» الذي يُفترض، نظريا على الأقل، أن يعني أن تطويرها سيكون لصالح سكانها، انتقل حديث ترامب، الطامح لتغيير أمريكا والعالم، إلى «نقل أهالي غزة» إلى الأردن ومصر، واستملاك القطاع أمريكيا لتحويله إلى «ريفييرا الشرق الأوسط»!
كان ترامب، قبل انتخابه رئيسا، يجمع بين كونه قطبا ماليا للاستثمارات العقارية مع كونه «نجما» للواقع التلفزيوني في برنامج «المبتدئ». أضاف ترامب إلى هذه التركيبة عاملا «انفجاريا» على الصعيد الأمريكي والعالمي، وهو أنه الشخص الذي يستطيع قول أي شيء خارج عن الأعراف السياسية والديبلوماسية، ومع جمعه، في ولايته الثانية، طاقما من الموالين له بشكل كامل، اقتنع ترامب بإمكانية خرق الجدار بين الواقع التلفزيوني والعالم الحقيقي، على الشكل الذي نراه اليوم.
استنادا إلى هذا الواقع الجديد، وبدعم من تداعيات الضربات الكبيرة التي تعرّضت لها إيران (وحلفاؤها) التي كانت لزمن طويل خصم إسرائيل الرئيسي في المنطقة، رفعت تل أبيب سقف طموحاتها في فلسطين التاريخية وجوارها، كما في الشرق الأوسط، وزادت مستوى عدوانيتها، وبدأت بتعديل اتفاقي وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، وزادت اعتداءاتها على سوريا، وهجماتها السياسية على السعودية ومصر وقطر والأردن، وهو أمر يطرح على الدول العربية، التي ستجتمع في قمة طارئة في القاهرة في 4 آذار/مارس القادم، تحديا غير مسبوق، يحتاج ردا غير مسبوق.