عربي ودولي

في ذكرى الثورة السورية.. المشهد أكثر تعقيدًا

“المدارنت”..
عندما صعد الدخان الأبيض بعد طول انتظار ومباحثات لم تنقطع بين الإدارة الجديدة، وتنظيم (قسد)، تمخضت الاجتماعات عن إعلان مهم من سبع بنود يشير إلى توافق سياسي على اندماج قوات (قسد) وكذلك مؤسساتها المدنية، في أتون مؤسسات الدولة السورية الجديدة، العسكرية والمدنية، وقد اعتقد المتابع السوري أن الخبر غاية في الأهمية، وهو بشرى جميلة للسوريين بكافة تلاوينهم، الذين يحتفلون هذه الأيام  في ذكرى انطلاق ثورتهم، ثورة الحرية والكرامة، التي تنهي عامها الرابع عشر، وهي في حالة منتشية بعد تمكنها من إزاحة نظام الطغيان الأسدي، رغم كل مع رافق ذلك من آلام وأنات عاشتها ومازالت، جماهير السوريين في كل مكان.
في ذكرى الثورة السورية التي ضحى السوريون عبرها بما ينوف عن مليون شهيد، على مذبح الحرية  والكرامة وبما هو أكثر من 600 ألف معوق حرب، وبنية تحتية هدمها نظام الاستبداد الأسدي فاقت عتبة الـ65 بالمئة من مجموع البنية التحتية السورية في معظم المحافظات السورية.
حيث يستمر أهل الثورة السورية، نخبها وجماهيرها وحاضنتها الشعبية احتفاءً بذكراها، وهم يرون التحديات الكبرى، التي مابرحت تلف الواقع السوري على كل الصعد، إذ يمكن القول أن الاتفاق الأخير المعلن عنه  مع (قسد) أصبح ناجزًاشكلانيا،  لكن وكما يبدو فهناك أمامه ماتزال الكثير من العقبات والمعوقات، التي قد تؤثر على عملية إنجازه وإنفاذه في حيز الواقع الممارس، ومنها بالضرورة مدته الزمنية التي تتجاوز تسعة أشهر، وهي مدة طويلة، سوف تفتح المجال واسعًا نحو تدخلات خارجية، ومصالح متشابكة، يمكن أن تعوق وتهدد مسارات المضي في تنفيذه، ناهيك عن عمومية البنود المصاغة والمتفق عليها بين الطرفين، وكيفية إنتاج آليات تنفيذية لهذه البنود، خاصة مايتعلق بمسألة (اللامركزية) التي غابت كليًا عن صياغات الاتفاق المعلن.
لكن بيان (قسد) الذي صدر في اليوم التالي للاتفاق، أشار إليها ولم يحدد ماهيتها، هل هي (لامركزية إدارية)؟ أم (لامركزية سياسية)؟ وهنا تكمن حيثيات  الإشكالية، لأن الاعتقاد السائد يشير إلى أن جموع السوريين قد تكون أكثر ميلًا إلى (اللامركزية الإدارية) بينما يصر (الكورد) في (قسد) على ضرورة الاتفاق على (اللامركزية السياسية) وهو ماسوف يخلق انكشافًا وخلافًا  في أرضيات العمل التنفيذي القادم ضمن عملية تشكيل اللجان التي بدأت عمليًا وصياغة المسألة التفيذية من الاتفاق المشار إليه، وهو ما سوف ينتج تخوفات كبرى لدى السوريين، من أن يؤدي تطبيق فكرة (اللامركزية السياسية) إلى الولوج ضمن بوابة الدخول في حالات التقسيم والانفصال، التي طالما عمل عليها سابقًا بعض الكورد،  وهو ما لايمكن أن يتقبله الشعب السوري في معظمه حسب الرؤيا السائدة،  بعد نضالات جمة على طريق وحدة وتوحيد سورية وإعلاء سور الوحدة الوطنية أرضًا وشعبًا.
يضاف إلى ذلك فإن الموقف الأميركي وحتى الآن غير واضح المعالم، والرؤيا الترامبية بما يتعلق بحماية (قسد) أو التخلي عنها، خاصة وأن التوافقات مع الحكومة التركية في ذلك لم تنجز بعد.
إذًا يمكن القول تأسيسًا على هذه المعطيات، إن الاتفاق مع (قسد) مازالت تكتنفه الكثير من العقبات التطبيقية، المتعلقة بسشكل الاندماج في المؤسسة العسكرية السورية الوليدة، وقد تبدى ذلك إبان الإعلان الدستوري.
ولايخفى على أحد حجم الألم الذي خلفته أحداث الساحل السوري مؤخرًا، والانتهاكات الكبرى التي تجري هذه الأيام  معالجتها  بعد أن تم تشكيل لجنة تحقيق وتقصي الحقائق بعد موجة الهرج والمرج التي حصلت جراء تحرك فلول النظام المخلوع وبدعم إيراني واضح تمام  الوضوح للعيان، ولكل متابع للمشهد السوري المتحرك.
فهل يمكن بلسمة الجراح السورية التي خلفتها أحداث اللاذقية وطرطوس وجبلة؟ وهل تنتهي هذه الحالات المؤلمة للسوريين؟ أم مايزال هناك المزيد منها؟ والكثير من احتمالات إعادة لملمة الصفوف لهذه الفلول الأسدية، ومن ثم التحرك من جديد في ظل حالة إحماء واشتغال مستمرة من قبل إيران وتوابعها في المنطقة  ضد الوضع الجديد في دمشق؟
أما عن المشكلة الأكبر، وجود إسرائيل، ثم تعدياتها المستمرة على الجغرافيا السورية، وقضم الأراضي في محافظتي  القنيطرة ودرعا، وتهديداتها المستمرة التي لا تنتهي، فهي ماتؤرق ليس حكومة دمشق فحسب، ولامساراتها التي تحاول البناء في جسم الدولة ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، لكن شعبيًا هناك آلام ممضة تكتنف كل المخيال السوري، الذي كان ومايزال  يعتقد بأن إسرائيل لا تريد الهدوء ولا الاستقرار في سورية الجديدة، حيث  تعتقد  إسرائيل أن انتصارها على العرب، لابد أن ينعكس أيضًا في سورية، مع وجود إدارة أميركية داعمة لنتنياهو بلا حدود، ووضع عربي متهالك وعاجز، عن تقديم أي عون جدي في مواجهة إسرائيل وتعدياتها الخطرة، في ظل غياب أي مشروع عربي رسمي يواجه الخطر الصهيوني الداهم.
كما أن أوصاع الجنوب السوري وإشكالية السويداء وادعاءات إسرائيل حماية الدروز، مازالت قائمة رغم كل ماقيل عن تفاهمات بين وجهاء جبل العرب مع حكومة دمشق والقدرة على استيعاب الواقع الجديد، مع استمرار وجود تحريك إسرائيلي لبعض ضعاف النفوس، حيث مايزال السوريون يأملون بأن يتحرك أهل السويداء وجبل العرب بكليتهم لردع أية تدخلات إسرائيلية في واقع الدروز، من منطلق أن أهل السويداء وجبل العرب يُشهد لهم بمواقفهم الوطنية السورية الشجاعة على مدى التاريخ الحديث والقديم للوطن السوري.
المشهد السوري اليوم في ظل احتفالات الثورة السورية مايزال أكثر تعقيدًا رغم الانفراجات النسبية، ومنها موضوع الاتفاق مع (قسد) وكذلك تفاهمات ممكنة مع أهل ووجهاء وفصائل السويداء.
ويبقى أنه لا بد من القول: إن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري المنعقد مؤخرًا بدمشق  لابد من الإسراع في تطبيقها على الأرض، ومنها مسألة ضرورة تشكيل حكومة وطنية سورية متعددة، تضم معظم تلوينات المجتع السوري وأثنياته وطوائفه وأيديولوجياته.
يضاف إلى ذلك أهمية الاشتغال جديًا وعملياً على موضوع (العدالة الإنتقالية) وضرورة تشكيل لجنة عليا لها وآليات تنفيذية لذلك. وأيضًا إنتاج وتشكيل هيئة تشريعية سورية، تهيئة وتوطئة لانتخابات قادمة، تنتج مجلسًا تشريعيًا أو برلمانيًا سوريًا يعبر عن كل السوريين.
ومن ثم إشرك جميع السوريين في عملية الانتقال السياسي السوري، دون السماح للون الواحد في الهيمنة على الحالة السورية التي لم تعد تقبل أي حكومة أو سلطة بلون واحد، مهما كانت الثقة كبيرة بها.

الرأي الأسبوعي لـ”ملتقى العروبيين السوريّين”
المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى