في وداع قامة لا ترحل!

كتب وليد حسين الخطيب/ لبنان
“المدارنت”
ليس سهلًا أن نكتب عن الراحلين حين يكونون من أولئك الذين لم يكونوا مجرّد أفراد، بل مؤسسات قائمة بذاتها؛ عقولًا منتجة، وأرواحًا معطاءة، وحضورًا يترك أثره العميق في من حوله، وفي أجيالٍ لم تلتقِه بالضرورة، لكنها عرفت قيمه من خلال ما زرعه في تلامذته وطلابه ومحيطه.
برحيل الدكتور سعد كموني، الأستاذ في الجامعة اللبنانية، تطوي الحياة صفحة من صفحاتها المضيئة، وتفقد التربية والفكر والإنسانية واحدًا من رجالاتها الهادئين، الذين عملوا بصمت، وتركوا أثرًا بلا ضجيج. كان رجل علمٍ بالمعنى العميق للكلمة، لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يزرعها، ولا يلقّن المعلومة، بل يوقظ السؤال، ويهذّب العقل، ويصون القيم.
لم يكن التعليم عنده وظيفة، بل رسالة. ولم يكن الحضور الأكاديمي مجرّد موقع، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية. عرفه طلابه أستاذًا صارمًا في علمه، رحيمًا في إنسانيته، واسع الأفق، متواضعًا رغم عمقه، قريبًا رغم وقاره. كان من أولئك الذين يمنحون الجامعة معناها الحقيقي: فضاءً للفكر الحر، وللعقل النقدي، وللجدل النبيل الذي يصنع الوعي لا الخصومة.
شخصيًا، لم ألتقِه إلا مرة واحدة، لكنها كانت كافية لتترك في نفسي أثرًا لا يُنسى.
بعض البشر لا يحتاجون إلى تكرار اللقاء كي يُدرك المرء قيمتهم؛ يكفي حضورهم، نظرتهم، طريقة حديثهم، وذاك الإحساس الخفي بأنك أمام إنسانٍ متصالح مع علمه، ومع نفسه، ومع الآخرين. كان من أولئك الذين يُشبهون الفكرة التي يحملونها، فلا تناقض بين ما يقولون وما يعيشون.
وفي فقده، لا يحزن أهله وحدهم، ولا عائلته فقط، بل يحزن طلابه، وزملاؤه، ومن عرفه وكل من آمن بأن المعرفة مسؤولية أخلاقية، وبأن التربية فعل إنقاذ لا ترف اجتماعي. ومع ذلك، فإن العزاء الكبير يكمن في أن أمثال هذا الرجل لا يرحلون تمامًا؛ إنهم يستمرّون في كتبهم، وفي طلابهم، وفي الأثر الذي يتركونه، وفي أبناءٍ يحملون القيم ذاتها، ويجسّدون الامتداد الطبيعي لما زرعه الآباء.
إلى عائلته وإلى كل من عرفه نقول لقد خسرك كل بيت زرته وكل قلب كنت فيه، وخسارتك كبيرة، لكن عزاءنا في إرثك بعدك. رحمك الله يا رجلًا عاش كريمًا، ورحل مكرّمًا، وترك خلفه سيرة طيبة، وذكرى نقيّة، وأثرًا لا يبهت مع الزمن.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل علمك وعطاءك في ميزان حسناتك، وألهم أهلك ومحبيك جميل الصبر والسلوان. سلامٌ على روحك، وسلامٌ على كل من يرحلون وقد أدّوا الأمانة كاملة، من دون ضجيج، ومن دون انتظار مقابل.



