لا تسرقوا أعمارهم!

خاص “المدارنت”
يعتبر بعض الناس أن السرقة والاختلاس يكونان للأموال، الحقوق، ونسوا أن سنين العمر التي مرت وتمر هي من حقوق الناس التي سُرِقت بالغش والخداع والوهم والسراب، وخُلِّفَت النفوس مكسورة؛ والأرواح فيها ألف جرح لن يندملوا ولا يضمدهم ألف اعتذار.
الإنسان الذي تعوّد أن يعطي من دون مقابل؛ ومن دون أن ينتظر شكرًا من أحد؛ يفي بوعده بإخلاص يحارب العالم؛ يتحدى الجميع لأجل من يهمّه أمره؛ ولا يتحجّج بظروف تمنعه من التواصل مع الناس. فمن أراد الوصال حطم الحواجز والقيود، هدم الجدران وبنى الجسور ولم يقطع الأوصال.
أشكال سرقة العمر كثيرة؛ والذين يسرقون الأعمار كثر، منهم مَن وعد طالب جامعة بأن يوظفه في شركته عندما ينهي الدراسة؛ ونكث بالوعد، حيث عقد الشاب الأحلام والآمال ورسم الطريق؛ ولم يتقدّم للعمل في وظائف أخرى بعد التخرج؛ ظنًّا منه أن الوظيفة جاهزة وتنتتظره. فالوعد الكاذب يُضيّع سنين العمر ويسبب الخسارة والحسرة.
ومن هؤلاء من ضيّع عمر والديه بعد تعب، جهد، رعاية، وتربية وتعليم؛ فقابل إحسانهم بالإساءة؛ ليجدا نفسيهما في نهاية المطاف في دار للعجزة أو في بيت للمسنين.
ومنهم من ضيّع سنين زواج بطلاق بحجج واهية؛ ليشرد أطفالًا بلا ذنب بين دور الأيتام.
ومنهم أيضًا من ضيّع عمر فتاة؛ وعدها بالزواج بعد إنهاء دراسته أو عودته من الغربة أو بعد أن يؤمّن نفسه؛ لتستفيق على خبر زواجه بغيرها ممن اختارها أهله له؛ بعد أن صبرت ووفت بعهدها له؛ وضيعت كل فرصة للزواج؛ ورفضت كل من تقدم لها وفاءً منها لوعدها؛ فتقدّم بها العمر وفاتها قطار الزواج، وخسرت الأمومة وحلمها بأن يكون لها ولد يناديها: “ماما”.
فكانت النتيجة أن سُرِق عمرها وضاع حلمها بوعد كاذب؛ وحجج واهية لا تسمّن ولا تغني من جوع!
ومنهم من تزوج على زوجته بحجة مرضها أو عدم إنجابها؛ ونسي أن الأقدار بيد الله؛ ولم يضع نفسه مكانها، ولو كان العكس لما تخلت هي عنه.
يُضاف إلى هؤلاء كلهم؛ مَن تركت زوجها بعد مرضه أو فقره، وتحوّل حاله من صحة وعافية إلى مريض هزيل؛ يشكو العوز والمرض.
والمؤسسات التي تسرق أعمار الموظفين، من دون ترقيات أو مكافأت بحجة أن وضعها لا يسمح.
ولا ننسى مَن تسبّب بسجن إنسان ظلمًا وافتراء، بتهمة أو بشهادة زور من دون أي ذنب، فيُحبس سنوات من دون قدرة على إثبات براءته.
ومن هؤلاء؛ امرأة تشمت بأخرى لأنها لم تنجب أطفالًا؛ وإن كان عدم الإنجاب بسبب مشكلة لدى الزوج أو حكمة من الله؛ تخفى على الناس. أو تشمت بامرأة أنجبت أطفالًا من ذوي الإحتياجات الخاصة، بادعاء أن الأمر بسبب المرض أو لكبر السنّ.
وهنا يضيع العمر بكسر خاطر، وجرح عميق لا يبرأ، وألم لا يزول. وقس على ذلك الكثير من هذه الأمور.
فهل تقاس الإنجازات بالأعمار؟
في الحياة أشخاص إنجازاتهم تفوق أعمارهم، وآخرون قد وصلوا إلى أرذل العمر من دون إنجاز واحد يذكر؛ ومنهم من توفي من دون أن يترك أثرًا أو بصمة. فقيمة الإنسان تكمن في إنسانيّته لا في إنجازاته..
فلكل من فعلوا ذلك نقول: أنتم أضعتم فرحاتهم وأعمارهم في الأولى؛ وهم سيضيعون حسناتكم في الآخرة.



