“لوفيغارو” الفرنسية: أميركا تلاحق وَهْم تغيير الأنظمة بالقوة ولم تتعلم من إخفاقاتها السابقة!
“المدارنت”
ذكرت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، في مقال للكاتب فيها رينو جيرار، أن “الأنظمة التي تُفرض من الخارج لا تدوم طويلًا، في الشرق الأوسط، كما في أماكن أخرى؛ ومن الغريب أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تأسست أصلًا على مبادئ مناهضة للاستعمار، ما تزال عاجزة عن استيعاب وإدراك هذه الحقيقة”.
في تبريره للحرب التي أطلقها في الـ28 فبراير الماضي ضد النظام في إيران، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إنه يفي بوعده بدعم متظاهري المعارضة الإيرانية في شهر يناير الماضي، الذين تم قمعهم بوحشية. فقد أكدت وكالة “هرانا” الإخبارية، المتخصصة في الدفاع عن حقوق الإنسان والمتمركزة في الولايات المتحدة، أن ما لا يقل عن سبعة آلاف مدني قُتلوا خلال تلك الاحتجاجات ضد النظام الثيوقراطي الإيراني.
منذ بداية القصف، وبعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني (السيد علي خامنئي)، دعا الرئيس الأمريكي الشعبَ الإيراني إلى الانتفاض وتولي مصيره بنفسه. ويبدو أن ترامب اعتقد أن النظام بعد “قطع رأسه” سينهار، ما يمنحه انتصارًا سياسيًا مهمًا قبل بدء الحملة للانتخابات التشريعية في الأمريكية في شهر نوفمبر المقبل، يضيف رينو جيرار.
في يوم 8 مارس الجاري، وجّه بنيامين نتنياهو، الذي كان بمثابة المحفّز لهذه الحرب الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، خطابًا مباشرًا إلى الشعب الإيراني، دعا فيه إلى إسقاط النظام الإيراني. لكن الأمور لا تسير كما كان متوقعًا، يوضح الكاتب.
فعلى الرغم من إضعافه عسكريًا بعد أكثر من أسبوعين من القصف العنيف، لم ينهَر النظام الإيراني؛ بل على العكس، ازداد تشددًا داخليًا، وانتقل خارجيًا إلى حرب غير تقليدية، حيث ردّ بإغلاق مضيق هرمز أمام السفن المرتبطة بالغرب، ما تسبب في أزمة طاقة عالمية لم تستفد منها سوى روسيا، وأجبر الرئيس الأمريكي على طلب دعم بحري من حلفائه في حلف الناتو، يتابع جيرار.
في يوم 12 مارس الجاري، أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال مؤتمر صحافي، بأنه لم يعد هناك أي يقين بشأن إمكانية إسقاط النظام الإيراني عبر انتفاضة شعبية.
باستثناء احتمال التوصل إلى اتفاق سري مفاجئ بين إيران والولايات المتحدة، يبدو أن الطرفين يتجهان نحو حرب أطول، مما كان متوقعًا، سيكون ضحيتها الأساسي الشعب الإيراني الذي زُعم أن الهدف من التدخل هو إنقاذه، يقول جيرار.
ويتابع كاتب الرأي في “لوفيغارو” أنه منذ أن بدأ متابعة العلاقات الدولية، لطالما أثار دهشته إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على ملاحقة وهم تغيير الأنظمة بالقوة، دون أن تتعلم من إخفاقاتها السابقة. ويقول: “رأيتها في حرب فيتنام (1964–1975)، حيث ألقت قنابل أكثر مما ألقي خلال الحرب العالمية الثانية، وأسفرت عن مقتل أكثر من مليوني مدني، لتنتهي في النهاية إلى نتيجة عكسية تمثلت في ترسيخ النظام الشيوعي”.
ويضيف: “ورأيتها في أفغانستان (2001–2021)، حيث سعت إلى دمقرطة البلاد، لكنها بعد عشرين عامًا من العمليات العسكرية أعادت السلطة إلى طالبان، التي كانت قد أطاحتها في البداية. واليوم، وضع حقوق الإنسان في كابول أسوأ مما كان عليه عام 2001”.
ويتابع: “كما شهدتُ تدخلها في العراق (2003–2011) بذريعة أسلحة الدمار الشامل التي لم تكن موجودة، مع وعود بنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. لكن النتيجة كانت حربًا أهلية طائفية، وظهور تنظيم داعش، واستمرار العنف حتى اليوم”.
ثم في عام 2011، شاركت الولايات المتحدة مع فرنسا وبريطانيا في إسقاط نظام القذافي في ليبيا، ما أدى إلى فوضى عارمة امتدت إلى منطقة الساحل وما تزال مستمرة.
كما استخدم ترامب مبدأ “تغيير النظام” لتبرير تدخله العسكري في فنزويلا في 3 يناير الماضي ضد نيكولاس مادورو.
ومضى جيرار قائلاً، إنه قد يكون من السذاجة التشكيك في النوايا المعلنة لنشر الديمقراطية، لكن من اللافت أن معظم الدول المستهدفة منذ عام 2003 غنية بالنفط: العراق، ليبيا، فنزويلا، إيران… فهل يكون النفط هو الدافع الحقيقي؟
في إيران، يشير الكاتب، سبق لوكالة الاستخبارات الأمريكية أن نفذت انقلابًا عام 1953 ضد رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدّق، بعد أن أمّم شركات النفط. واستبدلته بالشاه، الذي حكم 25 عامًا قبل أن تطيح به الثورة الإسلامية بقيادة الخميني.



