عربي ودولي

“لوموند” الفرنسية: ماذا يعني اغتيال علي لاريجاني؟

“المدارنت”
ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، إنه باغتيال رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، تُقصي إسرائيل أحد المفاصل الأساسية في السلطة الإيرانية، وهو الشخصية السياسية الأبرز التي دفع بها النظام إلى الواجهة منذ اغتيال علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران منذ 28 فبراير؛ في وقت لم يظهر فيه المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، الذي تم تعيينه في 8 مارس، حتى الآن، ولم ينشر أي رسالة مصورة أو صوتية، مما يثير شكوكًا حول وضعه الصحي، بل وحتى حول بقائه على قيد الحياة.

ولفتت الصحيفة، الى أن “مقتل علي لاريجاني يشكل إهانة جديدة للجمهورية الإسلامية، كما يكشف مرة أخرى مدى اختراق أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للنظام”.و
في الوقت نفسه، أعلنت إسرائيل أيضًا مقتل الجنرال غلام رضا سليماني، قائد قوات الباسيج، الميليشيا شبه العسكرية المرتبطة بالحرس الثوري. وفُرضت عقوبات أمريكية على سليماني عام 2019 لدوره في قمع الاحتجاجات.

بذلك، ينضم الرجلان إلى قائمة طويلة من المسؤولين العسكريين والسياسيين الذين قُتلوا منذ بدء الضربات الإسرائيلية- الأمريكية.
مضت “لوموند” متحدّثة عن علي لاريجاني، موضحة أنه كان أحد أكثر السياسيين نفوذًا في إيران خلال العشرين سنة الأخيرة. فكان جامعًا بين الولاء الأيديولوجي والبراغماتية، ومحافظًا في القضايا الاجتماعية، لكنه بارع في إدارة المفاوضات النووية التي شارك فيها.

ما تزال عائلته تُعد من أقوى العائلات السياسية في البلاد. فقد شغل شقيقه، صادق لاريجاني، منصب رئيس السلطة القضائية لمدة عشر سنوات (2009-2019)، وكان عضوًا مؤثرًا في مجلس صيانة الدستور، الهيئة التي تقوم بفرز المرشحين وفق معايير أيديولوجية صارمة.

وُلد علي لاريجاني عام 1957 في النجف بالعراق، داخل عائلة دينية، قبل أن ينشأ في إيران. وكان والده رجل دين شيعي بارزًا مقرّبًا من روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية عام 1979. وخدم لاريجاني في صفوف الحرس الثوري خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.

حصل على دكتوراة في الفلسفة من جامعة طهران، وكان متخصصًا في فكر كانط. وشغل منصب وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي (1992-1994)، ثم تولى إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية (1994-2004). وخلال تلك الفترة، بثت القناة برامج اتهمت المثقفين والمعارضين بالعمالة لقوى أجنبية، ومهّدت الطريق لملاحقتهم قضائيًا، بحسب ما تقول الصحيفة الفرنسية.

في عام 2005، كوفئ على ولائه وخبرته، فتم تعيينه ممثلًا للمرشد الأعلى في المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل أن يتولى رئاسة هذا المجلس لعامين. وخلال تلك الفترة، كان كبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني مع القوى الغربية.

من عام 2008 حتى عام 2020 ، ترأس البرلمان الإيراني، حيث سعى إلى تحقيق توازن بين مختلف التيارات داخل النظام. وخلال تلك الفترة، اقترب من شخصيات أكثر اعتدالًا مثل الرئيس السابق حسن روحاني، مهندس الاتفاق النووي لعام 2015. وقد أثارت مواقفه، التي اعتبرها المحافظون المتشددون متساهلة تجاه الغرب، انتقادات حادة، خصوصًا دعمه للاتفاق النووي، مما أدى إلى تهميشه مؤقتًا.

في الانتخابات الرئاسية لعام 2021، تم رفض ترشحه من قبل مجلس صيانة الدستور. وبعد أشهر من التوتر، كشفت رسالة سرية أنه اعتُبر “غير مؤهل” لأسباب سياسية وعائلية، من بينها دعمه لمرشحين مرفوضين وإقامة بعض أفراد أسرته في الخارج، ولاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. كما تم منعه مجددًا من الترشح في انتخابات عام 2024 التي أُجريت بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية.

رغم هذه الانتكاسات، ظل مخلصًا للنظام. وقد أعيد تعيينه رئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، بعد “حرب الأيام الاثني عشر” بين إيران وإسرائيل في يونيو عام 2025. ليصبح المنسق الرئيسي للسياسة الخارجية الإيرانية، حيث كثف زياراته إلى العراق ولبنان والسعودية وباكستان وعُمان وقطر، كما أشرف على استئناف المفاوضات النووية مع واشنطن.

تواصل صعوده بعد مقتل علي خامنئي، حيث كثّف تصريحاته المتشددة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدًا أن بلاده ستقاتل “مهما كان الثمن”، ومتهمًا دونالد ترامب بجرّ الشعب الأمريكي إلى “حرب غير عادلة”. وظهر كقائد فعلي لإيران، إلى جانب رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

رأت “لوموند” أنه من غير المرجح أن يؤثر مقتله بشكل فوري على الضربات الإيرانية ضد إسرائيل ودول الخليج، حيث إن النظام الإيراني مصمم لامتصاص مثل هذه الصدمات، بحسب محللين. وقد أظهرت عمليات الاغتيال السابقة، منذ يونيو عام 2025 ومنذ 28 فبراير المنصرم ، أنها لم تؤثر على الرد العسكري الإيراني.

لكن على الصعيد السياسي – تضيف “لوموند”- قد يؤدي اغتياله إلى مزيد من التشدد داخل النظام، عبر تعزيز الرواية الرسمية التي تعتبر الحرب مسألة وجودية. فقد كان لاريجاني من القلائل القادرين على إدارة البعد السياسي والاستراتيجي للحرب، وصياغة الرسائل والتواصل مع الأطراف الخارجية.

يُخشى أن يؤدي غيابه إلى تراجع دور السياسيين المخضرمين لصالح العسكريين والحرس الثوري، وهو اتجاه بدأ يظهر بالفعل مع تعيين مجتبى خامنئي، المقرب من الدوائر الأمنية. فقبل مقتل لاريجاني، كانت فرص التوصل إلى تسوية سياسية ضعيفة أصلًا، لكن غيابه قد يجعلها أكثر ضآلة، مع احتمال صعود الأصوات الأكثر تشددًا داخل النظام.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى