“ليبراسيون”: بعد غزّة.. “إسرائيل” تفرض على جنوب لبنان عقيدة “اللّاتحضر”!
“المدارنت”
توقفت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، عند إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، “بدء العمليات البرية في لبنان”، مشيراً إلى أن “مئات الآلاف من الشيعة الذين تم إجلاءهم لن يعودوا إلى منازلهم، ما لم يتم ضمان أمن سكان الشمال”. واعتبرت أن هذا التصريح يتجاهل أن جزءاً من السكان المعنيّين هم أيضاً من المسيحيين والسنّة، ما يوحي بإمكانية عودة سيناريو احتلال جنوب لبنان.
وأوضحت “ليبراسيون” أن هذه الفرضية لم تعد مجرد احتمال، إذ تشير وسائل إعلام لبنانية إلى أن “المنطقة الحمراء” التي تحددها أوامر الإخلاء الإسرائيلية باتت تغطي نحو 15% من الأراضي اللبنانية، وتشمل أكثر من مليون مدني، بينهم سكان الضاحية الجنوبية لبيروت.
وأشارت إلى أن التوغلات الإسرائيلية على الأرض وصلت إلى عمق نحو 7 كيلومترات داخل لبنان، لكنها ما تزال مكبوحة بفعل ما تبقى من قوات حزب الله، حيث حافظ الحزب على جاهزية وحدته النخبوية “رضوان”، التي أعيد تشكيلها بعد الحرب الأخيرة، ويواصل الاعتماد على القتال البري، خصوصاً حرب العصابات في المناطق الحضرية، وهي خبرة اكتسبها خلال مشاركته في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد.
ومهدت إسرائيل بدورها لهذا التصعيد، إذ سُجل منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر عام 2024 نحو 10 آلاف خرق من جانبها، مع تكثيف العمليات على طول الحدود، بما في ذلك تدمير ممتلكات مدنية وتجريف الأراضي واستخدام مواد كيميائية مثل الغليفوسات.
واعتبرت “ليبراسيون” أن هذه التكتيكات تندرج ضمن تاريخ طويل من العمليات يعود إلى عام 1949، حيث اعتمدت إسرائيل بين 1970 و2000 استراتيجية الاحتلال لإقامة “منطقة عازلة”، لكنها ساهمت عملياً في نشوء حزب الله وتوسّع “المقاومة”.
خلال حرب 2006، تخلت إسرائيل عن الاحتلال طويل الأمد، واعتمدت بدلاً من ذلك على القصف المكثف للضغط على المدنيين، في محاولة لإضعاف حزب الله، إلا أن هذه الاستراتيجية لم تحقق أهدافها.
وأشارت الصحيفة إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية تُقرأ في ضوء ما يُعرف بـ“عقيدة غزة”، حيث يتم اعتماد تدمير المناطق السكنية وتهجير السكان وممارسة ضغط واسع على البيئة المدنية، بهدف منع عودة السكان وتغيير الواقع الجغرافي في جنوب لبنان.
والهدف لم يعد السيطرة المباشرة بقدر ما هو “إلغاء” المنطقة فعلياً، عبر جعلها غير قابلة للحياة، وهو ما يشكل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي للسكان.
يتزامن هذا التوجه مع حرب إقليمية متعددة الجبهات تخوضها إسرائيل، ومع تزايد التساهل الدولي حيال استخدام القوة، رغم الانتقادات المتكررة من الأمم المتحدة بشأن الضربات العشوائية والانتهاكات المحتملة للقانون الدولي.
وأوضحت “ليبراسيون” أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل القسري للسكان، إلا أن ما وصفته بـ“نموذج غزة” أسهم في ترسيخ مقاربة جديدة أقل التزاماً بالقيود القانونية الدولية.
رأت الصحيفة أن مستقبل الوضع في جنوب لبنان لا يتعلق بعودة الاحتلال بقدر ما يتعلق بشكله، سواء كان ضماً، أو تدخلاً دائماً، أو احتلالاً “تكنولوجياً” يُدار عن بُعد، في ظل ما وصفته بحرب مفتوحة دون أفق حسم نهائي مع كل من حزب الله وحركة “حماس”.



