من إندونيسيا إلى عُمان.. الحرب تفرض توازنات إقليمية جديدة؟

“المدارنت”
أطلق وزير خارجية عُمان، بدر البوسعيدي، مجموعة من التصريحات أمس الأربعاء، كان أبرزها أن السلطنة “لن تدخل في مجلس السلام ولن تطبع مع إسرائيل”، وأن أهداف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على “دولة جارة” لا تقتصر على الملف النووي، بل تتجاوز ذلك إلى إضعاف إيران وإعادة تشكيل المنطقة والدفع بملف التطبيع إضافة إلى منع قيام دولة فلسطينية وإضعاف الأطراف الداعمة لها. أكد البوسعيدي أيضا أن مسقط ترفض تقديم أي مستوى من الدعم الذي قد يسهم في الحرب، وأن أي تسهيلات قد تقدمها السلطنة يجب أن تكون لأغراض دفاعية وبموجب شرعية دولية صريحة من مجلس الأمن.
كان لافتا أن تصريحات وزير خارجية عُمان تضمنت انتقادا غامضا لما سمّاه بـ”بعض الأطراف الإقليمية التي تراهن على أن مسايرة الولايات المتحدة قد تدفعها إلى تعديل قراراتها وتوجهاتها”، والقصد، كما يبدو، من هذا التصريح، التصدّي لتوجّه بعض الدول للضغوط الأمريكية عليها للمشاركة في الحرب ضد إيران، وتدخل في ذلك أيضا محاولات وسائل الإعلام الإسرائيلية، أكثر من مرة منذ بداية الحرب، للترويج لكون بعض دول الخليج طالبت بهذه الحرب، أو أن إحداها شاركت في قصف محطات تحلية مياه في إيران.
لافت أيضا أن تكرّر إندونيسيا، هذه المرة على لسان وزير دفاعها، شافري شمس الدين، إعلان أن مشاركتها في أي قوة أمنية دولية داخل قطاع غزة مرهونة بالتطورات القائمة داخل “مجلس السلام”، الهيئة التي أسسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتعاطي مع المراحل التالية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
كان المتحدث باسم الرئاسة الإندونيسية قد أعلن بالتزامن عن وجود جولة من المفاوضات المرتقبة قبل إتمام المطلوب للحصول على العضوية الدائمة في المجلس، لضمان أن المساهمة المالية والعسكرية الإندونيسية ستكون ذات أثر حقيقي في استقرار المنطقة ودعم الحقوق الفلسطينية المشروعة، وذك بعد أن قام الرئيس نفسه، برابوو سوبيانتو، بالتلويح في وقت سابق باحتمال الانسحاب الكامل من “مجلس السلام” في حال تبين أن هذا الكيان لا يقدم فوائد ملموسة للفلسطينيين.
معلوم أن السياسة الخارجية لعُمان تتميز بالحكمة والاتزان والحياد وأسس حسن الجوار وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادة الدول وحل النزاعات بالحوار، وهو ما جعلها وسيطا موثوقا في الأزمات الإقليمية والدولية، وكانت عُمان، حتى اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الجارية على إيران الطرف الرئيسي في الوساطة بين طهران وواشنطن، وواضح أن مسقط أحسّت بأن واشنطن أساءت استخدام عملية الوساطة، وأنها جنحت، بدفع من إسرائيل، إلى الاعتقاد الخاطئ أنها ستحصل بالحرب ما لم تستطع الحصول عليه بالمفاوضات.
اتخذت عُمان هذه المواقف رغم أنها ما تزال تتعرّض لهجمات إيرانية، كان آخرها تعرّض مستودعات وقود في ميناء صلالة للقصف، وأنها تعاني، مثل باقي جاراتها الخليجيات، تداعيات جسيمة على اقتصادها، وهو ما يُظهر فعلا قدرة كبيرة على التوازن في الحكم، وعدم الانجرار وراء الضغوط والعواطف.
تقوم سياسة إندونيسيا الخارجية، في المقابل، على السعي لإحداث توازن في علاقاتها بين محيطها الآسيوي والغرب الأمريكي والأوروبي. يمرّ ما يقارب 40 في المئة من حركة التجارة العالمية ضمن مساحتها المائية الشاسعة، عبر أكثر من 75 ألف سفينة سنويا، وهو رقم يتجاوز العدد الذي يمر بقناتي السويس وبنما. تفسّر هذه الأرقام الأهمية الاقتصادية لإندونيسيا، ودورها الكبير فيما يخص نقل النفط والغاز العربي نحو دول كالصين وكوريا واليابان، كما تفسّر الأهمية الاستراتيجية لجاكرتا فيما يخص الجغرافيا السياسية والاقتصادية للعالم.
إذا وضعنا في حسباننا هاتين السياستين الخارجيتين القائمتين على توازنات جغرافية واقتصادية دقيقة، نجد أن الخيط الواصل بين هذه التصريحات هو الإحساس المتزايد، ضمن دول لا تعتبر ضمن المحاور الحادة للسياسة في العالم، بالقلق من التحالف الأمريكي ـ الإسرائيلي غير المسبوق، وإذا كانت دول مثل إندونيسيا وعُمان تجد نفسها مضطرّة لتشديد مواقفها وإيضاحها أكثر، فالأغلب أن دولا كثيرة تشعر حاليا بأن المسعى الأمريكي – الإسرائيلي لتصديع التوازنات العالمية والإقليمية يمثل خطرا عليها، وأنها مضطرة لأخذ مواقف أكثر حزما، وهو ما رأيناه لدى حلفاء غربيين لأمريكا، كما حصل في إسبانيا وبريطانيا وإيطاليا، فما بالك بدول موجودة على خط النار؟



