هل ستؤدي الحرب الدائرة الى تفجير لبنان سياسياً وطائفياً؟
“المدارنت”
في كل يوم تُصدر إسرائيل أوامر إخلاء لسكان أحياء في ضاحية بيروت الجنوبية، للقيام بعمليات ضد حزب الله، بعد دخوله الحرب ثأرا لمقتل المرشد الإيراني. وقد مهّدت إسرائيل في حربها الأخيرة مع حزب الله في يونيو/حزيران الماضي، التي انتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، مهدت لإقامة منطقة عازلة عبر دمار واسع النطاق ألحقته بالقرى والبلدات الحدودية، جراء الغارات وعمليات تفجير للمنازل وتجريف أراض زراعية، ما جعل من الصعب جدا على القاطنين في هذه الأماكن العودة الى قراهم بعد وقف إطلاق النار.
ترى إسرائيل في ما يحدث اليوم فرصة ذهبية لها، وتحديدا ما يحدث من انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بهذه الحرب الكبرى الدائرة في المنطقة، حيث الدفاعات الأمريكية موجودة، وحاملات الطائرات والأساطيل كلها موجودة، بكل قوتها. كما بدأنا نرى الآن بعض الأساطيل الدفاعية الأوروبية تتقاطر على المنطقة. بالتالي إسرائيل تجدها الفرصة النهائية للقضاء على حزب الله، بعد أن حاولت مع الولايات المتحدة، أن يتم هذا عبر الحكومة اللبنانية، لكن الأخيرة عجزت عن فعل ذلك.
لذلك لن يفوّت بنيامين نتنياهو هذه الفرصة، خاصة أنه يعرف أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يشعر في أي لحظة أن تبعات هذه الحرب غالية الثمن، ويمكن أن ينسحب منها، ويتوصل إلى اتفاق سياسي مع طهران. فما الانعكاسات السياسية للتوغل الإسرائيلي في جنوب لبنان، والمطالبة بإخلاء أحياء واسعة من الضاحية الجنوبية، في ظل هذا الدعم الأمريكي والوجود العسكري في المنطقة؟ وكيف سيواجه هذا السيناريو مع تهديدات صريحة بتحويل الضاحية الجنوبية الى غزة أخرى؟
يشعر لبنان بأنه قد قام بما عليه على مستوى السلطة السياسية، حتى وصلت الأمور الى أن يطرح رئيس الجمهورية مسألة التفاوض مع إسرائيل بصورة مباشرة. كما كان هناك تعويل على الإدارة الأمريكية من خلال اللجنة الخماسية، ومن خلال علاقات لبنان الدولية والإقليمية، وكذلك ما قام به رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة باتجاه مزيد من الضغط، لانسحاب إسرائيل من النقاط التي احتلتها وتخفيف العدوان، مقابل أن يكون هناك استمرار لمسألة نزع سلاح حزب الله، ولكن كل هذا لم يحصل للأسف.
لذلك لم تعد لدى لبنان أية إمكانية للقيام بأي شيء في الوقت الحاضر. وعليه يبدو أن المشهد اللبناني قد انغمس كليا في المشهد العام في الإقليم. قد يقول البعض إن لبنان لم يكن جزءا من المعركة الدائرة على إيران، وأن من أدخله في هذا النفق المظلم للحرب هو حزب الله، لكن أصحاب الرأي الآخر يقولون إن الحزب التزم كُليا بعدم القيام بأي إجراء ضد إسرائيل. كما أنه نزع سلاحه على مستوى جنوب الليطاني، بل حتى لم يشارك في الدفاع عن إيران عندما تعرضت للحرب في يونيو الماضي. لكن مقتل المرشد الإيراني بما له من بُعد ديني على الحزب والطائفة الشيعية في لبنان، إضافة إلى البعد السياسي هو الذي دفع الحزب للدخول في هذه المعركة، لكن هل فعلا كان لزاما على الحزب أن يدخل المعركة بعد مقتل المرشد لأبعاد دينية؟
لعل الجواب المنطقي في هذه الحالة أنه لم يكن لزاما فعل ذلك، بل إنه أعطى الذريعة لإسرائيل بأن تقوم بعملية واسعة على لبنان، تسببت في تدمير وتهجير مناطق واسعة في الجنوب، وأحياء واسعة في الضاحية الجنوبية لبيروت. وإذا حسبنا الربح والخسارة في هذا الدخول، فإنه ليس حاضنة الحزب وحدهم من يخسرون، بل الذي يخسر اليوم لبنان كله. وعليه يصبح السؤال التالي منطقيا بالنسبة للكثير من اللبنانيين وهو، لماذا صمت الحزب منذ نوفمبر 2024 من دون أي رد على الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، بينما رد على اغتيال المرشد الإيراني؟
إن تداعيات التصعيد الإسرائيلي على لبنان قد تكون كبيرة على المشهد السياسي فيه، وقد يضن البعض أن تصل الأمور إلى حصول صدام سياسي داخلي ربما. أما من يسأل عن مدى قبول، أو رفض واشنطن لهذه الحال، فيبدو أن ترامب يقبل بالتغوّل الإسرائيلي من باب أن الموضوع اللبناني، ليس موضوعا أساسيا يستحق أن تنشغل به الإدارة الأمريكية، عن الموضوع الإيراني. وعليه لا يبدو أن الإدارة الأمريكية معنية اليوم بمخاطبة الحكومة اللبنانية، ولا بدعوة إسرائيل للتهدئة. لأن وجهة النظر لدى هذه الإدارة تقول، إن الحكومة اللبنانية قد فشلت في ما طُلب منها من نزع سلاح حزب الله.
إذن يبدو أنه بانتظار جلاء الأمور، الموقف الأمريكي هو فلتفعل إسرائيل ما تريد أن تفعل. ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن الرؤية الإسرائيلية التي تقتضي الآن، من أجل حماية المستوطنات في الشمال، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، هي الصيغة الجديدة لهذه المنطقة التي تريدها إسرائيل على أية حال، لأنه قبل الحديث عن حماية المستوطنات كان الحديث يدور عن إنشاء منطقة صناعية خالية من السكان، أي أن الهدف الإسرائيلي على ما يبدو هنا هو التوصل إلى ذلك.
ما هي الأثمان التي يدفعها لبنان؟ وهل من ضمن هذه الأثمان صدام داخلي مع حزب الله، بسبب الضغط العسكري الإسرائيلي؟ ربما هذا ما تريده إسرائيل. فالحروب الأهلية هي الوصفة التي تتمناها، لكن ليس من المتصور أن يكون هذا السيناريو واقعيا، بوضع الجيش في مواجهة مع حزب الله. طبعا هناك من يرغب بحدوث ذلك وليس إسرائيل وحدها. لكن الخطر هنا ليس من مواجهة بين الجيش وحزب الله، بل الخطر الحقيقي هو من تهجير ما يقرب من مليون، أو أكثر من السكان، من أجل تحقيق هذا الحزام الوهمي من قبل إسرائيل.
فهذا التهجير سوف يسبب اختلال التركيبة الاجتماعية على كامل التراب اللبناني، بشكل يؤدي إلى حدوث أزمات اجتماعية، اقتصادية، مناطقية وجهوية. بالتالي ستكون هناك صدامات وانهيارات لما تبقى من السلم الأهلي، وحتى لو كان اللبنانيون واعين هذه المسألة، فهل سيتحملون كل هذه الضغوط العسكرية والاجتماعية؟
المشكلة أن لبنان الرسمي و”حزب الله” على حد سواء كلاهما في مأزق كبير اليوم. حزب الله تورط وورط لبنان، ولبنان الرسمي اتخذ سلسلة قرارات وهو في قرارة نفسه يعرف جيدا أنه لن يستطيع تنفيذها على أرض الواقع. فبعد ساعات من اتخاذه قرارا باعتبار حزب الله محظورا عسكريا، رد الحزب بصليات صاروخية، وكأنه يقول للحكومة هذا قرار لا نعترف به، ثم تبع ذلك قول الأمين العام للحزب بأن قرار الحكومة خطيئة.



