33 سنة على بدء تجربة “الحوار” في واشنطن

“خاص “المدارنت
يدرك من تابع مجلة “الحوار” حين صدور اعدادها الأولى، في ربيع العام 1989، كمجلة شهرية باللغتين العربية والأنجليزية، كيف ان مزيج موضوعاتها كان نوعية نادرة آنذاك. فرغم الأهمية السياسية والاعلامية للعاصمة الأميركية واشنطن، ورغم وجود المراكز الرئيسة للجمعيات العربية/الأميركية وللبعثات الدبلوماسية العربية فيها، إضافة للعديد من الأكاديميين والمهنيين ورجال الأعمال العرب.. رغم هذا الوجود العربي النوعي آنذاك، فأن العاصمة الأميركية كانت خالية من أي نشاط اعلامي عربي مستقل، بل كانت الجمعيات العربية/الأميركية تكتفي بإصدار نشرات فصلية محدودة الصفحات والمواضيع، ومن أجل الاعلان عن نشاطاتها فقط.
وحينما صدرت مجلة “الحوار” في شهر نيسان/أبريل من العام 1989، لم يكن متيسراً ما نراه الآن أو نسمعه أو نقرأه (عبر الفضائيات أو الأنترنت) من محطات إذاعية أو تلفزيونية عربية أو سهولة الوصول إلى صحف مطبوعات عربية أخرى.
وما صدرت به “الحوار” آنذاك من شكل متواضع، كان مهماً جداً في مضمونه، كما هي عليه أيضاً تجربة “الحوار” طيلة العقود الثلاثة الماضية. فلقد تميزت “الحوار” منذ عددها الأول بالصدور باللغتين العربية والأنجليزية، فكانت “الحوار” مجلتين في مجلة واحدة لمخاطبة العرب، والعرب الأميركيين معاً، وما حولهم من مؤسسات وشخصيات اميركية مهتمة بالمنطقة العربية.
كانت مجلة “الحوار” تحرص على التركيز على البعدين العروبي والحضاري في الشأن الفكري، وعلى أهمية تعزيز الهوية الثقافية والحضارية للإنسان العربي أينما كان. وقد حملت “الحوار” منذ تأسيسها دعوة عربية توحيدية تدعو للتكامل بين العرب بدلاً من التفرق، وإلى صون التراث الحضاري والاعتزاز بالانتماء العروبي بدلاً من الفراغ والضياع الثقافي والحضاري.. وهذه الدعوة أحدثت على مر السنوات الماضية تأثيراً ايجابياً واضحاً في أكثر من مجال ومع أكثر من شخص ومؤسسة.
33 سنة مرّت على بدء “الحوار”، وكانت بمعظمها سنوات صعبة جداً على الجالية العربية في أميركا، ورغم ذلك، نجحت تجربة “الحوار” في خدمة القضايا العربية على الساحة الأميركية، وبتعزيز الدور الإيجابي للعرب في المجتمع الأميركي من حيث تنمية مضمون الأفكار وتحسين أسلوب الحوار وإيجاد منتدى دائم للتفاعل الدوري المفيد بين الأفراد والجمعيات الأميركية العربية. فالظروف الصعبة لا تغيّر من حاجة الجالية العربية في أميركا إلى مؤسسات ومنابر ثقافية تعزز دورها في المجتمع الأميركي وتصون هويتها الثقافية وجذورها الحضارية.
ويكفي مجلة “الحوار” أنها استطاعت – رغم ضعف امكانياتها المالية – أن تواصل صدورها كمطبوعة لأكثر من عشرين عاماً قبل أن تنتقل موضوعاتها إلى شبكة الأنترنت ووسائل التواصل الإجتماعي.
ويكفي مجلة “الحوار” انها اوجدت في إصداراتها الشهرية مناخاً حوارياً عربياً يخاطب العقل لا العواطف، ويحث العرب في أوطانهم وفي المهجر، على نبذ العنف وعلى اعتماد اسلوب الحوار لحسم خلافاتهم، وإلى تفهم الرأي الآخر (وليس بالضرورة التفاهم معه) عوضاً عن تخوينه وادانته لمجرد انه رأي آخر!.
ويكفي مجلة “الحوار” أنها بعد خمس سنوات على تأسيسها (أي في العام 1994) بادرت لتأسيس “مركز الحوار العربي” الذي ينشط الآن، ومنذ أكثر من 27 عاماً، بشكل ندوات أسبوعية هامة تجاوز عددها رقم 1200 ندوة، إضافة لرسائل الكترونية شبه يومية تتضمن مقالات هامة، ولأكثر من 190 ندوة نقاشية دورية على شبكة الأنترنت .
فما كان يحصل من حوار “نظري” على صفحات مجلة “الحوار” حين تأسيسها، تحول لاحقاً إلى حوارات عملية مباشرة داخل ندوات “مركز الحوار العربي”.
ولعل في هذا الجمع “الحواري” بين القول والفعل، بين النظرية والتطبيق، ما تحتاجه تجربة “الحوار” ايضاً من القراء والمتفاعلين معها بأن يكون الجميع مع “مركز الحوار” قولاً وفعلاً، للمحافظة على “بيت” فكري وثقافي وإعلامي فيه فائدة لكل عربي “يزوره” أو “يقطن” فيه من خلال الإشتراك المالي بالمركز…. وكل عام وأنتم وتجربة “الحوار” بألف خير..
* مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن/ نشر النصّ بالتعاون مع المركز.



