مقالات

أحاديث برقاش.. فرصة لاستدعاءات تاريخية

د. مخلص الصيادي/ الشارقة

خاص “المدارنت”..

.. خلال يومين متتاليين أنجزت قراءة كتاب الأستاذ عبد الله السناوي “أحاديث برقاش… هيكل بلا حواجز”، الصادر عن دار الشروق في العام 2017، وكنت كلما تقدمت في فصول الكتاب ازداد شغفي به، وإحساسي بأهميته، وتقديري للقدرة الفذة التي يمتلكها السناوي في عرض الوقائع وفي تقديم هيكل الصحفي والمفكر والسياسي والمعلم بما يليق بمكانة هذه الشخصية المتفردة ودورها على مختلف الصعد.

والحديث عن هيكل الذي غادر الحياة قبل ما يزيد عن ست سنوات” 17 / 2 / 2016″ هو دائما حديث عن المستقبل وليس عن الماضي، لأنه إذ يساهم في فهم الحدث وفي الإحاطة به إحاطة متقنة دقيقة وموثقة فإنه يمسك بعقولنا وأنظارنا ويقودنا لرؤية المستقبل الذي ينتظرنا، فما هو يقيني عند كل ذي بصيرة أن المستقبل صناعة الحاضر، وأننا في كل حين نشاهد ونتلمس أثر وقائع التاريخ فيما يجري وفيما سيكون.

وميزة هيكل في كل ما يكتب أنه عينه وقلمه لا يكاد يغادر الوثائق، يعرضها ويحللها ويستخلص منها النتائج ثم يعود مرة أخرى لمحاكمة رؤيته واستخلاصاته استنادا لما أثبتته مجريات الأحداث. ودائما يعمد الى حفظ وثائقه التي اعتمد عليها، وكذلك حفظ الوثائق التي وصل إليها، أو وصلت إليه، باعتبارها حق من حقوق الوطن والأمة لا يجوز التفريط بها أو الاستهانة بأهميتها، لذلك كان الحريق الذي اشعلته قوى الظلام في بيته ببرقاش ظهر يوم 14 / 8 / 2013 حيث كانت هذه الوثائق جريمة بحق الأمة وذاكرتها وأجيالها. جريمة لا يستطيع المدقق أن يستبعد أن تكون متعمدة بسبب ما تحتويه هذه الوثائق من أسرار وما تكشف عنه من أدوار ليس من مصلحة من حرض على هذه الجريمة أن تخلد في ذاكرة الأمة، وأن تكون حاضرة دوما أمام عقلها وضميرها ورؤيتها.

وميزة هيكل أيضا أنه حين يقرأ الأحداث ويتابعها ويتفاعل معها فإنه لا يكتفي بالتوقف عند تفاصيلها، كما يفعل جل المتابعين للأحداث وإنما يحرص على أن يضعها في إطارها العام وطنيا وقوميا وإقليميا ودوليا، لقناعة راسخة وصحيحة بأن الحدث في أي مكان لا ينفصل عن محيطه، ولأن الحدث في وطننا لا يصنع ولا يتأثر بمكوناته المحلية، وإنما هو ـ بحكم عوامل كثيرة تفردت بها أوطاننا ـ تشارك في صناعته قوى الخارج، وفي كثير من الأوقات يكون رصيد الخارج في صناعة أحداثنا أكثر تأثيرا وأبعد أثرا من تأثير قوى الداخل.

ومن هذه الزاوية تأتي رؤيته لمسيرة التسوية مع العدو الصهيوني، ولخطورة الاستهتار بأمن مصر المائي المتمثل بنهر النيل، وخطورة انكفاء مصر عن دورها الذي رسمته الأقدار في محيط امتها العربية وفي أفريقيا وعلى المستوى الحدث الدولي.

في أحاديث برقاش نسترجع كيف أن استلام الرئيس المصري الراحل للسلطة كان بداية الكارثة الحقيقية التي أمسكت بخناق مصر ومن ثم الوطن العربي كله، وكانت الخطوة التي هتكت الستر، وتركت العرب كلهم عرايا تائهين، لا وزن لهم ولا قيمة، يستجدون قيمتهم على موائد الآخرين حماية، وتنمية، وأمنا، وكرامة.

ونسترجع معه في هذا الكتاب كيف أن تخريب مصر مجتمعا واقتصادا ومؤسسات ومصانع كان هدفا رئيسيا لذلك السلام المزعوم، وكيف أن ثمن هذا التخريب دفع من دم الشعب المصري ومن ثرواته ومن قطاعه العام الذي تحمل أعباء الحرب والصراع بنجاح ثم بدأ تفكيكه وتخريبه وبيعه تحت رايات السلام، وتحقيقا لتوجهات القوى الداخلية والدولية التي رفعت هذه الرايات.

كان ما يحدث مشهدا عجيبا، كأنه من الخيال، لكنه كان يحدث، وقد سجله هيكل بدقة بالغة كاشفا من كان وراء هذا التحول، داخل مصر وخارجها، وماذا جر هذا التحول لاحقا على الأمة كلها.

ولا يخفي هيكل في أحاديث برقاش دوره في استلام السادات للسلطة، كما لا يخفي خطأ تقديره لأداء السادات، ولانحيازاته، وهو الخطأ الذي دفعه إلى الخروج دون تأخير من فضاء السلطة إلى فضاء المعارضة، وهو خروج يسمح لكل من يطلع على مسيرة هذا الرجل أن يقرر أنه مثل ولادة جديدة لهيكل، وأتاح له أن يرقى بنفسه وعطائه إلى أفاق لم يستطع أحد أن يصل إليها من قبل، حتى استقر بحق وصفه بأنه “اسطورة حية”، وأن يوضع في مكانه مفردا كما وضع جمال عبد الناصر، وأن تصبح العودة لهيكل، لمدرسة هيكل “الصحفي والسياسي والمفكر والاستراتيجي” ضرورة لازمة لكل من يريد أن يكون له دور حقيقي في صناعة الحدث في وطنه،  وكما اكتشف لاحقا أن استلام السادات للسلطة كان كارثة، كشف كيف أن استمرار مبارك في السلطة ثلاثين عاما كان بمثابة إعادة صياغة هذه الكارثة بثوب جديد اكثر تخريبا في جسد المجتمع المصري، وفي قواه الحية، لكنه تخريب لم يستطع أن يمنع حيوية هذا الشعب من أن تبدع أدوات تحرك لقوى شبابية معارضة رسمت اللوحة البارعة للربيع العربي في مصر، وخطت مسار انهاء حكم مبارك وفكرة التوريث التي كادت أن تبسط هيمنتها على البلاد.

ونستعيد من السناوي تفاؤل هيكل بثورة يناير ثم تلمسه بشكل مبكر ما أحاط بها من أخطار، كان جزء مهم منها صناعة خارجية، ثم كيف آلت الأمر الى ما آلت إليه وباتت مصر عاجزة مرة أخرى عن استكمال ثورتها، حتى صار طرح سؤال “لماذا لا تكتمل في مصر ثورة؟” طرحا مشروعا.

كما نستعيد مع السناوي محطات من أحداث مهمة، من ثورة القذافي بأطوارها المتعددة، وصولا إلى النهاية الحزينة والمؤلمة التي جرت في إطار تآمر دولي / أطلسي  بشع إلى  أجواء ثورة الخميني بأطوارها المتعددة أيضا، إلى غزو العراق وتدميره.

وحين يستعرض السناوي رؤية هيكل للربيع العربي فإنه يشدد على تقديره لهذا الربيع وأنه جاء ردا على تردي الأوضاع العربية الداخلية وانسداد أفق التغيير أو التطوير، وشيخوخة الأنظمة القائمة التي لايبررها شيء، ثم هو يلحظ تسابق الدول الخارجية متعاضدة مع القوى الداخلية سواء تمثلت بالأنظمة القائمة ومؤسساتها، أو بقوى معارضة في استغلال هذا التطلع والتحرك الشعبي، واستغلاله والعمل على حرفه في اتجاهات لا تخدم قوى التغيير ولا تخدم الأوطان، ولا تخدم المستقبل.ولقد نجحت هذه في الوصول الى أغراضها.

ومما يلفت أنه في كل الكتاب لم يأت على ذكر سوريا وما يحدث فيها إلا لماما، إذ ذكر بأنه ضد “فكرة التوريث”، فيكفي البلد ثلاثين عاما من حكم الأب حتى يأتي الابن ليتابع الحكم دونما حق. كذلك ذكر أن التآمر واسع على سوريا يستهدف تعطيل دورها الإقليمي والعروبي، وتخريب بنيها الوطنية.

وفيما عرضه السناوي فإن هيكل الحساس لموقف الجماهير والشباب واحتياجاته على تلك الدموية التي واجه بها النظام السوري الحراك الثوري الذي انطلق من درعا في 18 / 3 / 2011 في تجاوب فذ مع رياح الربيع العربي. وكان هذا الغياب لهيكل مما يلفت النظر، ولعل المدقق بحالة هيكل الصحية، واهتماماته بالحدث المصري في هذا الوقت بالذات، وكان حدثا متسارعا ومرهقا، وتشابك الحدث السوري والمصري من خلال دور الاخوان المسلمين، وأدائهم في الحدث المصري. ويمكن أن نضيف الى ذلك أن مصادر هيكل في التعرف الى مسار الحراك الثوري في سوريا اقتصر ـ على ما يبدو ـ على مصدرين اثنين، أحدهما المصدر الخارجي الغربي الذي تابعه من لندن وما تكشف فيه من أوجه تآمر غربية عديدة على سوريا، وقد كانت هذه المصادر قد كشفت من قبل حجم التآمر الغربي/ الأطلسي على ليبيا وهو تآمر وصل الى حد الغزو، والمصدر الثاني مصدر عربي رسمي عبر الجامعة العربية وعلاقاته بأمينها بالكثيرين من المسؤولين فيها، وهذه المصادر أمدته بلا شك بتحركات وخطط النظام العربي ممثلا بدول الخليج  ضد سوريا، وهو يعلم تماما موقف هذه الدول التاريخي ضد الوجود الحيوي لسوريا باعتبارها قلب العروبة النابض.

وهنا لا بد أن نذكر التقصير الكبير لقوى الحراك الثوري السوري في التواصل مع هيكل وتوضح ما يجري في سوريا له، ولعل طرفي الحراك السوري الثوري الداخلي ممثلا بهيئة التنسيق والخارجي ممثلا بالائتلاف الوطني قد ارتكبا خطيئة عدم التواصل مع هيكل ـ ومع آخرين ـ لتوضح تطورات الوضع في سوريا وحجم الجرائم غير المسبوقة وغير المبررة التي يرتكبها النظام السوري لكسر إرادة هذا الشعب “الدم، في الشوارع والسجون، والتدمير، والتهجير، والتفتيت الطائفي”.

لكن رغم ذلك فإن هذه الظروف لا تعفي ” هيكل” من المسؤولية في معرفة حقيقة ما يجري في سوريا، فالرجل ليس ككل رجل، ومسؤوليته تتعدى كل الحواجز، وهو يحمل على عاتقيه بجدارة مرحلة من أخطر وأهم مراحل الأمة في هذا العصر، ويستطلع برؤيته الثاقبة مسار هذه الأمة من التاريخ البعيد الى المستقبل المضطرب، لذلك فإن التماس العذر له، لا يخفف من مسؤوليته.

وقد كنت ممن استشعر أهمية وخطورة أن لا يكون للأستاذ موقفا واضحا حاسما مما يجري في سوريا، لذك وجهت له رسالة نشرتها في حينها عبر مواقع على الشبكة العنكبوتية، وطلبت من أخوة لهم صلة مباشرة به أن يوصلها اليه، وقد اعلمت أنها وصلت.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى