أردوغان يستلهم خامنئي ويُطبّق تجربته السورية في ليبيا!

خاص “المدارنت”..
فيما يتخذ العالم خطوات جدية وفعالة لمحاصرة النظام الايراني، والحد من توسعه وتدخله الخارجي، وخطوات موازية لشلّ أذرعه في الشرق الاوسط، وتقليص أنشطتها الارهابية في العالم شرقا وغربا، يأتي تدخل تركيا في ليبيا واستعمالها مقاتلين سوريين، دليلا على أن السلوك الايراني التوسعي في المنطقة العربية، صار مثلا يحتذى لكل الطامعين والطامحين في نهش الوطن العربي، واغتنام ما يمكن من ثرواته.
قبل الأعوام العشرة الأخيرة، لم يكن ثمة مؤشرات على وجود توجهات تركية للتمدد على حساب العرب، على عكس ايران التي اتضحت توجهاتها وأطماعها في الوطن العربي، منذ الشهور الاولى لعهد الخميني 1979. وعلى الأرجح فإن التوجه التركي المعادي للعرب، والرغبة في استغلال فرصة ضعفهم، قد نشأ على إثر ما يمكن اعتباره نجاحا أوليا حققه الايرانيون في العراق، ثم لبنان فسوريا، وأخيرا اليمن، مما أغرى جيران العرب الأقربين والابعدين. ونحن نعتقد أن (التنمّر) الأثيوبي على مصر والسودان، قد التقط الشرارة أيضا من العدوانين التركي والايراني معا. ولا شك أن العوامل الجيو – سياسية التي حركت الجيران الثلاثة واحدة.
ومن الواضح إن تركيا عملت على استغلال الفرصة، للتوسع والتمدد داخل النطاق الحيوي العربي، في العراق وسوريةا والخليج العربي والبحر الأحمر والمتوسط وليبيا، وبقية بلدان المغرب العربي، مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية:
الأول: أن تركيا قد شهدت طفرات متلاحقة في نموها الاقتصادي، وتحتاج أسواقا لتصريف صادراتها، وغالبيتها صادرات عادية غير متميزة، كالصناعات القطنية والمنسوجات والمنتجات الزراعية والصناعات الغذائية التحويلية، وهي قطاعات ومجالات يسودها تنافس حاد بين دول كثيرة جدا تتماثل في الانتاج، مما يخلق صعوبة في الحصول على أسواق. ولذلك بدأت تركيا تناطح للاستيلاء على الأسواق بطرُق، بعضها مشروع وبعضها غير مشروع.
والثاني: وهو الأهم، أن تركيا تعاني نقطة ضعف رئيسية، هي افتقارها للطاقة العادية، النفط والغاز، وهي ثروة حيوية تتوقف عليها صناعاتها المتوسعة، وفاتورتها ترهق الخزينة التركية، ولذلك، تحاول تركيا اشباع حاجتها للطاقة بنفس الطرق، المشروعة وغير المشروعة، كما نرى في ليبيا، يحفزها التطلع الى ايجاد موطىء قدم راسخ في ليبيا، يضمن لها الحصول على الطاقة بشروط ميسرة، وسوق مضمونة لصادراتها، وتشغيل شركاتها في إعادة بناء ليبيا.
والثالث: هو يقظة طموحات تركيا لإحياء (العثمانية الجديدة)، ولعب دور القيادة في الدول العربية – الاسلامية، التي كانت جزءا من السلطنة العثمانية سابقا، وأصبحت الفكرة تحفز السياسة التركية الخارجية، وعلى نحو خاص في التعامل مع العالم العربي، واستهوت الرئيس أردوغان، وتحكمت بمشاعره.
جاءت الخطوات التطبيقية في الأعوام التالية، لتكشف مدى النفاق والانتهازية في طرح مشروع (العثمانية الجديدة)، وذلك بتحالف تركيا غير المبدئي مع ايران الشيعية، التي كانت تتوسع وتفتك بالعرب السنة، وتنشر مذهبها بالقوة، ونمزق المجتمعات العربية على نحو ما سماه نبيل خليفة (استهداف أهل السنة).
إذ لو كانت تركيا صادقة في مشروعها، لاحياء دورها كمركز وقيادة للعالم الاسلامي السني، لكان عليها أن تتصدى للارهاب الايراني بحزم، على الأقل في سوريا، ولكنها بدلا من ذلك، تحالفت مع ايران وتعاونت معها في سوريا، ولم يصدر عن اردوغان ووزارة خارجيته وحزبه بيان واحد يستنكر مخططات ايران الاجرامية بحق العرب السنة، بل على العكس استنكر أردوغان وحكومته تصنيف اميركا للحرس الثوري كمنظمة ارهابية، وقدم تعازيه ومواساته بمصرع قاسم سليماني، ورفض العقوبات التي فرضتها اميركا على ايران، وأصبحا شريكين مع روسيا في ما يسمى “محور آستانة”، لتصفية الثورة السورية لحساب المحور الثلاثي.
وستثبت الايام، أن العلاقات التركية – الايرانية أعمق مما هو معروف ومتداول عنها، ومحورها الوحيد هو اقتسام النفوذ والمصالح في العالم العربي. المعروف منها حتى الآن هو مجرد رأس جبل الجليد العائم، وما خفي أعظم.
وتوحي التطورات الاخيرة، أن تركيا تستلهم التجربة الايرانية بحذافيرها، ولا سيما في ليبيا كما توضح الأمثلة التالية:
1 – شجع التدخل الايراني في العراق وسوريا بلا رد فعل عربي ودولي، أردوغان على تقليد المثال، لا سيما أن تركيا عضو رئيسي في حلف شمال الاطلسي – الناتو.
2 – تعلم الاتراك من الايرانيين استراتيجية تمزيق العرب، وقتالهم بأيدي بعضهم بعضا، وتشكيل ميليشيات طائفية أو عرقية من العرب تتبنى عقيدتهم، وتمنح ولاءها لهم. وكما شكلت ايران حزب الله والحشد الشعبي وحماس وأنصار الله، بدأ أردوغان تشكيل عشرات الفصائل السورية الممولة من تركيا والموالية لها. كما ربط الأقلية التركمانية في العراق بتركيا ربطا محكما، وهو يكرر الآن ذات اللعبة في ليبيا، مدعيا أن غالبية الشعب العربي الليبي من أصول تركمانية! .
3 – وتشير المعلومات التي كشفها موقع نورديك مونيتور مؤخرا، الى أن أردوغان أمر بتشكيل منظمة عسكرية تشبه الحرس الثوري الايراني وفاغنر الروسية، للتدخل العسكري في حروب ومناطق بعيدة، من دون أن تتحمل المؤسسة العسكرية الرسمية مسؤولية ما تقوم به المنظمة المذكورة مباشرة.
4 – علينا أن نتأمل المثل التالي، حتى نلاحظ مدى التشبه والتأثر التركي بالسلوك الايراني. استغلت ايران وجود عدة ملايين من اللاجئين الافغان والباكستانيين الشيعة في ايران، لجأوا اليها من الحرب والعنف في بلديهما. وعندما قررت ايران التدخل في سوريا لقمع الثورة الشعبية، وجدت أن تجند اللاجئين الافغان والباكستان ليقوموا بمهمتها، بدلا من أن تورط قواتها مباشرة في الصراع.
وعندما جاءت الأزمة الليبية في العام الأخير، وقرر أردوغان التدخل فيها عسكريا، كرر نفس الطريقة التي اتبعتها ايران في سوريا، وقام بتجنيد آلاف السوريين من فصائل موالية لتركيا، ومن اللاجئين السوريين المتواجدين في تركيا، أو شمال سوريا الخاضع لنفوذها، وصرنا نرى أن تركيا تقاتل في ليبيا بدماء وأيدي السوريين.
وفي النتيجة، أصبح أردوغان أول تلميذ يتعلم المنهاج الايراني، ويتخرج من مدرستها في سوريا، ويطبق الدروس التي تعلمها.
=======================



