أزمة السودان بين أزمات العالم!
“المدارنت”
دخلت السودان في المشهد المتصاعد بحروب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الخليج، ضد إيران، وما بدا مشاهد جديدة على المستوى العالمي، وصادمة في الوقت نفسه حتى بمعايير السياسة، في أقصى حماقات اتخاذ قرارات شن الحرب. وكشفت هذه الحرب توحشا غير مسبوق في النظام العالمي، تحت إدارة ترامب والسياسة الأمريكية الخارجية؛ فمن تغيير الأنظمة عن طريق المخابرات والمؤامرات، إلى قتل قادة الدول واقتيادهم إلى السجون عن طريق دولة أخرى لا تملك مسوغا شرعيا سوى سطوة القوة ونفوذ الهيمنة.
خلال أسابيع من بدء الحرب بنتائجها غير المحسوبة، لا تزال صافرات الإنذار تدوي في عواصم ومدن الخليج وإيران وبالطبع إسرائيل. فقد وضعت هذه المواجهة أو المغامرة منطقة الشرق الأوسط والأزمة السودانية بكل تبعاتها السياسية والاقتصادية على المحك، وبشكل استبق كل التوقعات، فكان أن تجاوزت صدمة المفاجأة قوة التغييرات التي فرضتها الحرب بمنطق التوازنات والتحالفات في المنطقة. وكيف أن الحرب التي تبعد عن أراضي السودان، جرّت عليه تبعات منها ما عد في صالح النظام بقيادة الفريق البرهان، في ما يتعلق بالهجمات الصاروخية التي تشنها إيران، ردا على الضربات الأمريكية الإسرائيلية واستهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج، بما زاد من تعقد الموقف، خاصة في دولة مثل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية.
وشكل هذه الانفجار المفاجئ لدى طرفي الحرب تناقضات في المواقف، وما هو متوقع إن لم يكن في التأثير المباشر على مجريات الصراع الداخلي أو الدعم اللوجيستي الخارجي. وإيران والخليج يرتبطان بالأزمة السودانية في أكثر من محور، تشكل مجتمعة الأبعاد الإقليمية والدولية لمسارات الأزمة السودانية، وهي تدخل عامها الرابع متجاوزة كل المعايير والتوقعات في مداها الزمني، وتمددها الجغرافي وتأثيراتها الإقليمية وتداخل العوامل السياسية والاستراتيجية، بل الأيديولوجية في الصراع. ومع أن التغيير المفاجئ في تطورات الحرب في المنطقة، أثار تساؤلات حول تأثيرها سلبا وايجابا على صراع السودان، فقد تفاوتت تداعيات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي وتمثلت في نتائج مرغوب فيها لكل من طرفي الصراع الجيش والدعم السريع.
والموقف الرسمي للحكومة السودانية مما يجري في أزمة الخليج الحالية، كشف عن أحد مؤشرات الأزمة الدبلوماسية بينها وبين دولة الإمارات، التي تتهمها بدعم الدعم السريع. ففي البيان الصادر من وزارة الخارجية والتعاون الدولي السوداني، الذي أدان فيه الهجوم على دول الخليج، لم تذكر دولة الإمارات في إشارة إلى موقف قائم ويعد شرخا في التعبير الديبلوماسي في سياق إجماع دول الجامعة العربية ومنها السودان! ولكن تظل النقطة الأكثر حساسية في العلاقة مع إيران، خاصة الجماعات الإسلامية التي تدعم الجيش، وتهيمن على سياسات الدولة، وما برز من انشقاقات بين دعمها لإيران، والتصريح بالوقف إلى جانبها وهو موقف لا يمكن للجانب الحكومي الرسمي التعامل معه علانية، في ظل دعم تتلاقه من أكبر دول المنطقة.
وأخيرا جاء القرار الصادر من الخارجية الأمريكية الإثنين الماضي، بتصنيفها للحركة الإسلامية كجماعة إرهابية، القرار الذي شكل قمة المواجهة بين الولايات المتحدة والجماعة الإسلامية في السودان، بعد سيل من العقوبات الاقتصادية والإدانات السابقة باتهامها بإعاقة مسارات السلام، وارتكاب انتهاكات في المناطق التي يسيطر عليها الجيش. ويدخل هذا القرار الذي من شأنه أن يعيد التوتر بين الحكومة السودانية والولايات المتحدة إلى مرحلة تصنيف السودان عام 1993 تحت إدارة الرئيس بيل كلينتون، ولم يرفع إلا فترة الحكومة الانتقالية بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك.
ولكن تبقى التداعيات السياسية في الداخل السوداني من أهم ما يجعل منه قرارا تتعدد فيه التساؤلات وتختلف التقديرات والتوقعات، فالأحزاب المدنية المناوئة لاستمرار الحرب ومعها المكونات السياسية الأخرى رحبت بالقرار، بغض النظر عن تأثيره المباشر على مجريات الحرب اليومية، وإن حمل هذا الترحيب الخصومة السياسية أكثر من أهمية القرار نفسه.
وفي موازنة القرار احتجت الأطراف الحكومية على القرار، وطالبت بتصنيف الدعم السريع، الذي رحب بالقرار، أسوة بالحركة الإسلامية ومشددة على التزام السودان باتخاذ كل الإجراءات القانونية، بما يتوافق مع التزاماته الدولية لمكافحة الإرهاب، كما جاء في بيان الخارجية. ومما يوحي به البيان إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف، من دون استثناء أو انتقائية.
ومع أن قرار التصنيف الأمريكي للجماعة الإسلامية السودانية أنبنى على استخدام «العنف المفرط ضد المدنيين، لتقويض الجهود المبذولة لحل النزاع في السودان والنهوض بأيديولوجيتها الإسلاموية العنيفة»، وما ارتكب في الحرب من فظاعات من جميع الأطراف، يستدعي الإدانة والمحاسبة، ولو أن الإشارة إلى الأيديولوجيا العنيف تدخل ضمن إشكالات لتنظيم دولي يندرج في أكثر من سياق في الصراع بشكله الواسع بين الغرب والإسلام السياسي منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.
ومع أن دور الحكومة الأمريكية في الصراع الدائر منذ تفجره في أبريل 2023 في رعاية المفاوضات المشتركة بقيادة المملكة العربية السعودية في منبر جدة، وتمثل أثقل أطراف الرباعية بين عدة دول عربية لحل الأزمة السودانية، فيكون تعاملها مع هذا الملف متصلا بأجندة طرف من أطراف الحرب بشكل مباشر، قد يتأثر بتداعيات هذا القرار. فالجماعات التي صنفها القرار بأخطر التهم « الإرهاب» لها دور فاعل في الحرب الجارية بكل تشكيلاتها شبه العسكرية كجماعة البراء، التي أشار إليها قرار التصنيف، وهي جماعات تعمل خارج إطار الجيش الرسمي، ولها أذرع مدنية تمسك بمفاصل الدولة. فالحكومة السودانية ليس في مقدروها تجنب المواجهة السياسية والقانونية في التعامل مع قرار الخارجية الأمريكية إلا في حدود البدائل، التي ستفرضها معادلة تحالفات مع بعد حرب الخليج الحالية.
وتشير التوقعات إلى تراجع أولوية الملف السوداني في السياسة الخارجية الأمريكية بسبب حربها ضد إيران، وما أحدثته من خلل في سلسلة إمدادات الطاقة وتوسع نطاقها الجيوبوليتيكي أكثر من تقديرات الإدارة الأمريكية، كما أشار عدد من الخبراء. ولكن على الجانب الآخر تظل الأزمة السودانية في تصاعد مستمر بين أطرافها، من قصف للمدن وخروج مناطق واسعة عن سيطرة الدولة، وما خلفته من أزمات إنسانية. وقد تكون في حال غياب أو تعليق المبادرات الدولية السابقة بضرورة الواقع، فإن الطرفين لا يؤمل أن يتوصلا إلا للمزيد من المواجهات التي يكون فيها المدنيون عرضة للمزيد من الانتهاكات. فغياب الحوار التفاوضي، الذي بعدت مسافته الآن يقود إلى سيادة الحوار العسكري بما يعنيه من اقتتال مستمر بين الطرفين، لا تسنده سياسية عقلانية تحد من وحشية الحرب.
إن أزمة السودان بتوصيفاتها كافة، أسوأ كارثة إنسانية في العالم كحرب داخلية، لا تقف معزولة عن صراعات العالم وتقاطع مصالحه والدول التي تشكل نظامه العالمي. فأيا يكن مستوى التدخل الدولي والإقليمي في شأنها، تكون أزمة متشابكة لأن أطرافها يرتبطون بشكل مباشر مع قوى دولية لديها مصالحها، وبالطبع رؤيتها الاستراتيجية في استمرار، أو توجيه الصراع، بما يجعله صراعا يحقق غايات تدار بأيد داخلية، مهما اختلفت شعارات الأطراف المتقاتلة. والشاهد أن هذا جعل من حرب السودان منطقة تجاذب بين أطراف باتت هي نفسها تخوض صراعا له أبعاده الدولية المؤثرة على مستقبل المنطقة.
مستقبل الحرب في السودان، رهين بما يجري من حرب الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة إلى حد كبير، فقد ظل العامل الخارجي عاملا جوهريا في الصراع الجاري. وبقي أن تتجه المبادرات الوطنية الداخلية نحو حل داخلي، ما يجنب البلاد الدخول في صراعات التحالفات الكبرى، التي قد تتهدد مصيره في حدود أمنه القومي مع ما دفعت به الحرب من انقسامات لم تتوقف على الاختلافات السياسية، ولكن وضعت بالقوة القاهرة بلدا على وشك الانقسام الجغرافي بتعدد الدويلات.



