تربية وثقافة

أشتاق ذاك الجنوب!

عمر سعيد/ لبنان

“المدارنت”
كنا صغارًا نلاحق قطعان الماعز، وهي تغادر الصويري صباحًا، صوب الجنوب.
كان ذلك من طقوس كل خريف سقط على رصيف العمر.
تقف أمهاتنا عند عتبات بيوتنا الترابية، تلوّح باكفها الخجلى للمهاجرين.
كان الجنوب حينها مقصد الباحثين عن الحياة.
كان ذلك قبل أن يتحوّل إلى مقصلة للموت.

أركض خلف القطعان إلى القلابات، وأعود لأقطف ما علق من أصوات أجراس الكراريز عن أغصان أشجار التين والدوالي المنتشرة على ضفتي الطريق.
لم يكن الجنوب يومها شيعيًا، ولم يكن معازة الصويري سنة.
كان بلاد بشارة، وكانوا يقصدونه لدفئه الذي يستقطب الفقراء..
كان هذا قبل أن تجعله نيران المدافع باردًا حد النزوح والموت.

عرفت الجنوبيين في العراق..
كانوا فقراء مثلي.. وكانوا على أمل مثلي..
قضينا عقدًا نغني: “يا رايح صوب بلادي”
كنا نغني لنطرد وحش الغياب..

كان الغناء الحزين دفعة على حساب، إلى اليوم نسدده.
أحببتهم أكثر حين عرفت أنهم من بلاد بشارة.
كانوا بطعم الخروب الذي حمله جراب راع، يرجع مطلع كلّ ربيع..
كان الرعيان يقصدون بلاد بشارة، ليأتونا منها بالربيع.
كان ربيعًا له عطر الجنوب، ودفئه الطري.

عدت من العراق، لأجد أن القطعان قد اختفت، وصار الرعيان بلا عصي، ولا كلاب، ولا جراب، وما عاد الجنوب بلاد بشارة..
صار مربعات أمنية، ومواقع عسكرية، يُمنع الاقتراب منها.
إلى اليوم أحمّض في مخيّلتي صورًا، جلبها الرعيان من هناك، وأكتب عنه حكايا خبأتها في ثنايا ذاكرتي؛ لئلا تضيع.
صرت أخاف أن أحمل كاميرا إذا قصدته.

كنت في بغداد أستعذب اسمي بلهجة زملائي الجنوبيين..
صرت إذا سئلت أتجنب التصريح به.
كبرنا جميعًا، وكبر معنا الجنوب، بل كبر وشاخ أكثر منا..
وها نحن نراه، ما عاد يهوى البقاء، ولا عاد يطيق الصراع.. ويعزف عن الكلام، فقد أنهكه التعب..
لذا قرر السكوت كفيروز، كمنجيرة غازي نبعا التي ما زالت في خلالي شبعا البعيدة.
========

الصويري: قرية بقاعية عند حدود المصنع
القلابات: آخر حدود الصويري جنوبًا
غازي نبعا: كان عازف منجيرة من شبعا.
# نص لكتاب: “الكتابة ليست علفًا”، لم يصدر بعد
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى