مقالات

ألعلم سلاح النصر

أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”
في صباح السادس من تشرين الأوّل (أكتوبر) سنة 1973، كنت ذاهبًا الى لقاء أحد زبائن شركة التأمين، التي كنت موظّفًا فيها، عندما سمعت خبرَا عاجلًا من مذياع السيارة؛ مفاده أنّ الجيش المصريّ عبر قناة السويس إلى الضفّة الشرقيّة؛ وهو يشتبك مع الجيش الإسرائيليّ برًّا وجوًّا وبحرا.

كدت لحظتها أطير من الفرح، وأنا الشابّ الناصريّ الذي يشتعل بكلٌ حماس الأرض، في الثانية والعشرين من العمر، يتمنّى أن يكون على الجبهة يقاتل ولو بالحجارة!

وصلت إلى موقع صديقي العالِم الألمانيّ، الذي يمتلك مصنعًا صغيرًا لصناعة الأدوات الزجاجيّة، التي تستخدمها جامعات كنديّة وأميركيّة، في مختبراتِها بمدينة “وندزر” الكنديّة ومدينة “ديترويت” الأميركيّة.

قرَعت جرس المنزل الملاصق للمصنع؛ وإذ به يُطِلّ بقامته الطويلة، ووجهه الحسن المائل إلى الاحمرار، مرحِّبًا على عادته، لأنّه يعرفني من زياراتي الشهريّة له؛ كونه أحد زبائن الشركة التي أعمل لصالحها، سألني بدهشة: عمّا إذا قد حصل لي أمر ما، لأنّه شاهد علامات مثيرة من الفرح المتراقص على كياني؛ من رأسي حتّى أخمص قدمَيّ..

أخبرته بما سمعت؛ لأنّني كنت متأكِّدًا بأنّه سيفرح؛ لأنّه يكره “إسرائيل”، كما كان يكرهها العرب، وأكثر. نظر إليّ نظرةً ملؤها الحزن واللوعة وطلب الجلوس إلى مقعد قريب، وبدأ يحاضِر كما لو أنّه في الجامعة أمام طلابه، وهو كان قد تقاعد من التعليم قبل أن ينشئ مصنعه المُتمَيِّز.

قال لي: أنظر يا أحمد. أنا أحبّك واحترم مشاعرك، وأحبّ العرب كثيرًا، وأحترم تاريخَهُم واسهامَهُم في العلوم والحضارة الإنسانيّة، لأنّني عالِم وأقدِّر العلم. لن يستطيع العرب هزيمة “إسرائيل” في هذه الحرب/ ولا في حرب بعدها، حتّى يصبحوا أكثر تطوُّرًا منها في مجال العلوم. أنا مطّلع على كلّ البحوث العلميّة في العالم، بكلّ تفاصيلها، ولا أجد إلّا تقدُّمًا “إسرائيليًّا” هائلًا عليكم جميعًا؛ فمن حيث الموازنات للبحوث أرى “إسرائيل” تتفوّق بكثير على كلّ الدول العربيّة مجتمعة، وأرى الاكتشافات العلميّة “الإسرائيليّّة” تضاهي اكتشافات الدول الكبرى والعظمى في العالم. لذلك، يا عزيزي أحمد، أنا لا أرى من موقعي هذا إلّا انتصارًا لـ”اسرائيل”، مع الأسف الشديد!

كانت الحرب قد بدأت منذ ساعات، فقط، فكيف لصديقي الألمانيّ الذي يحبّنا كثيرًا ويكره “إسرائيل” كثيرًا، ليَتَنَبّأ بنتيجة الحرب التي ستزلزل “إسرائيل”؟! اجتاز هذا السؤال كياني كالبرق؛ وغضبت وجادلته بوجهة نظري، المعتمدة على الحماس والشوق للنصر، طبعًا، لم يقتنع؛ فتركته وذهبت إلى سيّارتي، لا تسعُني أرض ولا سماء من الفرح والأمل، وبشائر النصر والمستقبل الواعِد..

غادرت مسرِعًا، معتبِرًا أنّ صديقي رجل “ختيار” (كَهْل) منفصل عن الواقع؛ لا يتابع التحوُّلات السياسيّة وقدرات الشعوب.

رحِم الله ذلك الصديق الألمانيّ الذي نسيت اسمَهُ، بعد 53 عامًا، من معارك الحياة بحلوِها ومرِّها وهزائمِها وانتصارتها على المستوى الشخصيّ، وبهزائمها المتتاليّة على مستوى الأمّة.

أعود لكلماتِهِ، التي أصبحت مع تعاقُب السنين وتراكم الخبرات، أؤمِن بها من دون تحفُّظ، وأترحّم عليه وأسأل الله، أن يأخذ بيد هذه الأمّة إلى العلم والبحث العلميّ؛ لتضع أقدامها على أوّل طريق التقدُّم والتطوُّر والنهوض..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى