مقالات

«إخوان السودان» بعد الوسم بالإرهاب!

“المدارنت”
لا يوجد الكثير من التعليقات، أو التعقيبات الموضوعية المتعلقة بما حدث الأسبوع الماضي من إدراج لجماعة «الإخوان المسلمين» في السودان على لائحة الإرهاب الأمريكية، على الرغم من أن الموضوع معقد ومتشابك، لدرجة تجعل من الصعب تتبع كل آثاره ونتائجه من خلال مقال واحد. سوف أكتفي هنا بإيراد بعض الإشارات حول الآثار المترتبة على هذا التوصيف، وسر خروجه في ظل ظرف سياسي معقد يجمع ما بين الحرب الداخلية في السودان، واشتعال الفوضى في الإقليم.

في البدء يمكن الاتفاق على أن آخر ما يحرك الإدارة الأمريكية الحالية، هو أوضاع حقوق الإنسان، أو مصير شعوب المنطقة، فالإدارة، التي دعمت العدوان وحرب الإبادة على غزة لا يمكن أن يكون ضميرها قد انتبه فجأة لتريد أن تخلص الشعب السوداني من الجماعة، التي ترتكب في حقه «عنفاً ضد المدنيين».

الأمر لا يتعلق فقط بالرئيس دونالد ترامب وإدارته، ولكن يمكن للمرء أن يلاحظ ضياع الاهتمام بالمسائل الإنسانية في عالم اليوم، فلا تفجير مدرسة ومقتل طالباتها في إيران، أثار احتجاج المجتمع الدولي، ولا ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين المحاصرين في فلسطين ولبنان والسودان استدعى الكثير من القلق أو الانتباه. إذا كان الأمر كذلك، وإذا لم يكن المبرر الأخلاقي هو السبب الحقيقي، الذي دعا لفتح ملف «الجماعة» في السودان، فما هو السبب؟

المتطرقون إلى الموضوع اكتفى أكثرهم بالسخرية من القرار، أو التقليل منه، أما المعنيون بالتصنيف، فقد توزعت ردود أفعالهم ما بين التصريحات المتحدية، والذهاب إلى أن هذا القرار بلا معنى، لأن «الإخوان المسلمين» في السودان هم جماعات وطرق مختلفة ومتناقضة في رؤيتها للدولة وفي موقفها من النظام.
تناسل جماعات كثيرة من تحت العباءة الإخوانية في السودان حقيقة، لكن القرار الأمريكي لم يترك الأمور بلا توضيح، فتحدث بشكل مباشر عن فيلق «البراء بن مالك»، الذي وصفه بأنه جناح الجماعة العسكري، وعن انتهاكاته ضد المدنيين، كما تحدث عن ارتباط كوادر في الحرس الثوري الإيراني، وتلقيها تدريبات ودعماً إيرانياً. إقرارنا بأن دافع محاصرة من سماهم بيان الخارجية الأمريكية «الفرع السوداني لجماعة الإخوان» هو حماية المصالح الأمريكية الإسرائيلية، يجب أن لا يحملنا على تجاهل الآثار المترتبة على التصنيف، التي لا تهدد فقط منسوبي الجماعة، وإنما أغلب الشعب.

إذا كان هناك من الأطراف الداخلية من يظن أن هذه العقوبات دقيقة بحيث تشمل فئة من المواطنين دون أخرى، فإن من الواجب تذكيره بما كان عليه الحال إبان العقوبات المفروضة على نظام البشير. نظرياً، كانت تلك العقوبات موجهة للنظام ولرأسه المغضوب عليه، لكن في الواقع فقد كانت مؤثرة على الجميع، ليس فقط في الداخل، حيث كان يُفرض تقييد كبير على حركة الأموال وعلى نقل البضائع واستيراد التكنولوجيا، وإنما حتى في الخارج، حيث كان يواجه كل مواطن سوداني صعوبات تبدأ من حصوله على تأشيرة سفر، وتنتهي بصعوبة القيام بإجراءات بسيطة كفتح حساب في بنك.

مع تمرير هذا التصنيف سيدخل السودانيون سنوات جديدة من التضييق، فالولايات المتحدة لا تتسامح مع الدول، التي تحاول أن تمنح الجماعات المصنفة إرهابية من قبلها، أي فرص للالتفاف على العقوبات. هذا يعني أن على الدول حتى تكون في مأمن من العقوبات الثانوية، مضاعفة الوقت اللازم لفحص تأشيرات السفر، وفرص المنح الدراسية والشراكات السودانية مع المواطنين السودانيين، للتأكد قبل إجراء أي معاملة، من أن سجلهم نظيف تماماً، أو أنهم غير معنيين بقرار التصنيف. لأن هذه المهمة شديدة الصعوبة والتعقيد، فإن من الممكن أن تلجأ دول لتعليق التعامل بشكل شامل مع الطلبات السودانية، كما فعلت بريطانيا، التي أعلنت قبل أيام، وقف التأشيرات والمنح الدراسية، التي كانت تقدم للطلاب.

الغموض، الذي لف تعبير البيان، الذي استخدم عبارة «الإخوان المسلمين» الفضفاضة، لا يؤدي لإفراغ القرار من مضمونه وجعله كأنه لم يكن، بل على العكس، هو بهذه الطريقة يوسع دائرة المستهدفين، بحيث يمكن أن يشمل القوس المفتوح أي شخص، أو أي مسؤول، ترى الإدارة الأمريكية وحلفاؤها أنه يعوق مشروعها أو أنه يستحق العقاب.

انتقد منتسبون إلى «الحركة الإسلامية» رد الفعل الحكومي الرسمي على الإعلان الأمريكي. بيان الخارجية السودانية لم يحاول أن يدافع عن الجماعة، أو أن يبرئها من تهم الإرهاب، بل اكتفى بلفت النظر إلى أنه في البلد، الذي يشهد جرائم فظيعة ومثبتة على يد قوات الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو «حميدتي»، فإنه كان حرياً بالخارجية الأمريكية أن تضع «الدعم السريع» أيضاً ضمن هذه اللائحة.

من جانب آخر أقول، إن انتقاد الإمبريالية الأمريكية يجب أن لا يمنعنا من انتقاد سلوك كثير من الإسلاميين المتحمسين، الذين يبدو بعضهم وكأنه يتعمد توريط البلاد وجرها لتكون طرفاً في صراعات إقليمية، هو يعلم قبل غيره أنها لا تملك القدرة على خوض غمارها في هذا التوقيت، الذي تبحث فيه عن فرص التعافي.

تحدثت في مقالات سابقة عن فيلق «البراء بن مالك» وقادته، صحيح أنه وكتائب أخرى، كان من المساهمين في تحقيق النصر، وفي تطهير مناطق من سيطرة المتمردين، لكن الحقيقة الظاهرة، هي أنه لم يكن مجرد تجمع لشباب يريدون التطوع العسكري من أجل حماية مناطقهم، بل كان ذراعاً أيديولوجية مدعومة بشكل واضح ومسنودة بدعاية كبيرة من أجل إظهار دور الإسلاميين في الحرب، ومن أجل ضمان أن يكون لمجاهداتهم وتضحياتهم ثمن تتم ترجمته لمشاركة سياسية لاحقة.

الأمر لم يقتصر بشأن التأكيد على الارتباط بالحركة الإسلامية على إظهار الرموز والتغني بالأناشيد الجهادية، بل امتد لإصرار قيادات الفيلق على ربط معركة السودان المحلية بالمحيط، عبر ارتداء الكوفية الفلسطينية والحديث، عن معركة غزة، ما كان يوصل رسائل فحواها، أن غرض الفيلق يتجاوز معركة التحرير المحلية. بعد اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة كان رفاق آخرون ممن يرتدون الزي العسكري، الذي يمنح للمتطوعين والمستنفرين، يمضون أكثر من ذلك لحد التعبير عن دعمهم الكامل لإيران.

كانت تلك التصريحات تأتي في وقت كانت فيه الصواريخ الإيرانية تخترق أجواء دول حليفة وداعمة للسودان في معركته الوطنية. لم تلبث مواقع متربصة أن قامت باستغلال هذه التصريحات من أجل خلق وقيعة، والإيحاء بأن هذا يعبر عن موقف السودان الرسمي من الأزمة. لا يريد السودانيون، المرهقون بفعل الحرب، والذين عانوا من قبل ولعقود طويلة من أثر تصريحات وتهديدات مماثلة، أن تكون بلادهم أرضاً لتصفية الحسابات، ولا حلبة للضربات المتبادلة، كما لا يريدون أن يتم استهدافهم، أو أن تنتقل المعركة لأراضيهم بسبب مواقف لا تعبر إلا عن خيارات ضيقة لأصحابها.

الموقف الرسمي كان موفقاً حينما نأى بنفسه عن بيانات المتطرفين، الذين ذهب بعضهم مؤخراً للدعوة لإسناد إيران برياً. مشكلة أولئك المتطرفين لا تقتصر على تبنيهم خطابات خطرة ومنفصلة عن الواقع، بل في أنهم يمضون للإيحاء بأن هذا هو موقف قطاع واسع من الجماهير، ما يجعل الشعب كله يؤخذ كرهينة لنظرتهم إلى العالم، تماماً كما كان عليه الحال أيام النظام الساقط.

د. مدى الفاتح/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى