مقالات

“إسرائيل” للغزّيين: حافظوا على الرهائن ونحن نُبيدكم!

“المدارنت”
بعد تسليم «حماس» كل الرهائن الأحياء الذين كانـوا في قبضتها لمؤسسة «الصليب الأحمر» الدولية، بـدأ بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل في مطالبه التعجيزية للحركـة بتسليم كل الرهائن القتلى رغم معرفته شخصيا أن من لم تستطع الحركـة تسليم جثثهم بعد، موجودون تحت ركام البنايات بعد أن قضوا أثناء حرب الإبادة والتدمير المنهجي لغزة. معلوم أيضا أن بعض الأطراف الدولية الراعية للاتفاق، أو المشرفة على تفاصيله، تعهـّدت بتقـديم الخبـرات والمعدّات اللازمة وأنها أبلغت إسـرائيل أن تنفيذ ذلك سيستغرق أشهرا طويلة.

سلّمت «حماس» الجثامين التي كانت تحتفظ بها من أصل 28، وفي المقابل وجدت حكومة نتنياهو، وجيش الاحتلال، «مسمار جحا» الجديد، والحجة التي تبرّر خرق الاتفاق وتعديل بنوده.
بدأ ذلك بإعلان نتنياهو منع دخول نصف عدد شاحنات المساعدات، ثم بإعلان أن معبر رفح لن يتم فتحه، فيما تعهد وزير حربه، إسرائيل كاتس، باستئناف الهجوم على قطاع غزة.
يعبّر الموقف الإسرائيلي، ومجمل المواقف الدولية المجارية لمنطقه، عن مفارقات قانونية وإنسانية وأخلاقية كبرى.
تبدأ هذه المفارقات من اختزال الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي المديد في عملية 7 تشرين أول/ أكتوبر. يسمح هذا الاختزال الخبيث المقاصد بمحو الحيثيات التاريخية، التي يمكن تتبعها من دعوات القوى الاستعمارية الأوروبية، التي تعود لأيام نابليون بونابرت، لتوطين اليهود في فلسطين، ويدخل فيها مجازر اليهود في أوروبا، والاستيطان المكثّف لهم إلى فلسطين، مرورا بوعد بلفور والإضراب الفلسطيني الكبير ضد الانتداب البريطاني عام 1936 والنكبة عام 1948، والحروب العربية – الإسرائيلية، والانتفاضات الفلسطينية، والاعتداءات المتعددة السابقة ضد قطاع غزة.
تتمثل المفارقة الأخرى في اختزال إسرائيل، وحلفائها الغربيين، والساسة والإعلاميين (وحتى الفلاسفة!) المناصرين لها، ما يحصل في غزة بالرهائن الإسرائيليين. شهد العالم هذا الاختزال المُخزي بحيث تمنع هذه السرديّة المركزة على حيوات وميتات الرهائن الإسرائيليين أي تعاطف أو إضاءة على جعل فلسطينيي غزة كلهم رهائن لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ويجري، في الوقت نفسه، محو معالم الإرهاب المرعب الجاري فصولا ضد سكان القطاع كلهم.

لا يغيّب الفلسطينيون، نتيجة هذا الاختزال، بل يصبح قتلهم اليومي، وتدمير أساسيات حياتهم الاجتماعية والاقتصادية، وتهجيرهم عشرات المرات، هامشا على متن سرديّة الرهائن، وجزءا من العمل الحربي الإسرائيلي لـ«القضاء على حماس».
تصبح «حماس»، بهذا الاختزال، مسؤولة عن تسليم جثث الأسرى الذين قتلهم جيش الاحتلال وهو منهمك بإبادة الغزيين بالقنابل الأمريكية الذكية (والغبية) حتى لو كانوا تحت السبعين ألف طن من الركام الذي نتج عن التدمير المهول لغزة، ويُصبح الفلسطينيون، حسب ما تراه حكومة نتنياهو، وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأنصار إسرائيل في العالم، مسؤولين جميعهم عن بقاء أولئك الرهائن أحياء في الوقت الذي يقوم جيش إسرائيل بإبادتهم.

رأي “القدس العربي” اليوم
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى