إلى ولدي في 13 نسيان!

“المدارنت”
في ذلك التاريخ يا ولدي، كنت طفلاً أصفّق لجدّك، الذي توهّم أنّه على حق، فحمل “كلاشنكوفه” (بندقية حربية روسية)، وقصد مواقع للجيش اللبناني في بيادر العدس والسلطان يعقوب والمصنع، فأسقطها، ثم سلّمها للغريب.
كنّا يا ولدي مجانين وحمقى. نعدّ علب التونة، والسردين، التي نحصل عليها من المحتل الشقيق.
موجع أن أخبرك أنّنا كنّا أنذال، لكنّها الحقيقة، التي ما كنا نعلمها يا ولدي.
كان أجدادنا بسطاء، أوفدوا إليهم مشايخ دين من خارج الحدود، علّموهم أن الله قبل الوطن، وأن الدين قبل أُسَرِهم، فصدّقوا..
وراحوا يعتقدون أن ضياع الله في الأرض، يتحمل مسؤوليته المسيحي، وأن ضياع الخير يتحمل مسؤوليته المسيحي، وأن ضياع فلسطين مسؤول عنه المسيحي!
وصار أجدادك قطّاع طرق، يقطعونها على أخيهم، وفقًا لمذهبه في الهوية.
وزاد الغباء طامتنا الكبرى، فاجتمعت كل بنادق التحرير في وطني، وقد أدارت فوهاتها شمالاً، صوب قلب لبنان.
وهكذا.. باتت بكفيا وجونية وبيت مرى وبرمانا كسروان وبسكنتا وزحلة وبشري، وكل تلك البلدات، التي كنت تقول لي كلّما مررنا فيها: “يا ليتنا خلقنا هنا”، باتت كلّها حجارة عثرة في طريق الذاهبين للصلاة في القدس.
وركض أهلنا مع الراكضين، وحرّموا على جدران بيوتنا الأرزة، وحرّموا على شوارعنا وسوحنا ومدارسنا علم لبنان.
وامتلأت بيوت أهلنا بصور الغرباء.. صور الذين كذبوا علينا بـ”كلاشنكوف”، وعلبة تونة وسردين، و”فيلد” عسكري، وبوط تشيكي، لأنّه لم يكن يومها “رنجر”..
وغصت شوارعنا بصور عبد الناصر وأبو عمار وحافظ الأسد، وبلغ الأمر بمن هم في سنّك أن يَشِموا أجسادهم بواحدة من تلك الصور.
أذكر يا ولدي أني أكلت كفّين (صفعتين) من عسكري سوري محتل، لأنّي رسمت العلم اللبناني على قماشة بحجم الكفّ، ورفعته على “أنتين” دراجتي الهوائية الصغيرة.
كنت أقودها في الحقول، فصاح بي، وقد اعترض طريق عودتي، ومزّق علمي الخاص، وراح “يناتعني” الدراجة، يريد استلابها، وأنا أبكي، وأنادي: “يا بيّي”.
لقد أفاق جدّك يا ولدي على خطئه، لكن إفاقته لم تغيّر حالاً.. بل جعلت منا عملاء.
ورحنا نتنقّل بين سجون المحتل، ومخافره. لذا شتّتنا جدّك في الأرض.. أرسلني إلى العراق، وأرسل أعمامك الأصغر مني إلى كندا. أبعدنا، لأنّه عرف أن بقاءنا سيسلبنا وعينا تجاه الوطن. هناك في الغربة عرفنا أننا لبنانيون. ومن هناك تعلّمنا يا ولدي أن الذين كانوا أعداء أهلنا؛ هم الذين حفظوا لنا مفاتيح دُورنا التي أفرغت من أصحابها.
هناك في الغربة عرفنا يا ولدي، أننا لولا بنادقهم التي لا يزالوا يُعَيَّرون بها إلى اليوم، لما عدنا إلى أرضنا، هناك عرفنا يا ولدي أنّ شيخنا كان كذابا، وقد ضلّل باسم الدين جدّي، ومن بعده أبي، وأنّه ما كان همّه فلسطين.. بل كان همّه أن يبيعنا بثمن جُبّته، التي لا يزال يضلل الناس بها. ولولا أعداء الأمس يا ولدي، لما كنّا اليوم هنا..
دعني أوضح لك يا حبيبي، أن شيخ الأمس، قد غير فقط مصدر تمويله، وتسليحه، وولائه..لكنّه لم يتنازل حتى اليوم عن مشروع إسقاط الدولة، تلك التي كلّفت أهلنا “أعداء الأمس” آلاف الشهداء، ليحفظوها لنا جميعاً. أولئك الذين لم تفرغ ببوتهم من الأعلام اللبنانية، ولا من حبّه..
وظلّت أسطح بيوتهم ومبانيهم تلوح به عالياً، فيما ظلت أسطح بيوت من أوهمونا أنّهم أهلنا؛ تشرّق الرايات وتغرّبها، وتسوّدها وتصفّرها. لذا أوصيك أن تتلوَ كل 13 نيسان، رسالتي هذه على أولادك. أوصهم بفعل ما تفعل، وقل لهم:
إن الذي حفظ لنا فضاءنا وترابه، وروحنا وحريتها هم أعداء الأمس من حملة الصليب، ذاك الذي ظل الشيخ يعلك حقده عليه عقوداً، من دون أن يرفّ له جفن من شدّة الكذب.
لم يبق في حلقي إلا كلمتين يا ولدي، فاحفظهما: إن الذين عاديناهم في الأمس، هم أهلنا، أهلنا، أهلنا، ولا يُلام المرء على حب أهله.



