مقالات

إيران.. إحتجاجات شعبية متواصلة وتهديدات أميركية!

بعد إعلان يقدّم لهجة معتدلة في التعامل مع الاحتجاجات المستمرة منذ قرابة أسبوعين في إيران، طالب فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأربعاء الماضي، قوات الأمن بعدم التعرض للمتظاهرين، والتمييز بينهم وبين «مثيري الشغب»، صعّد المرشد الإيراني علي خامنئي، أمس الجمعة، الخطاب الرسميّ حول الاحتجاجات وذلك بمنشور على حسابه الناطق بالانكليزية على شبكة «إكس» هاجم فيه «المرتزقة» الذين يعملون لصالح الأجانب، واعتبرهم من «مثيري الشغب» الذين يخرّبون الممتلكات العامة لإرضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مطالبا إياه بالانشغال بمشاكل بلاده.

من جهته، كان ترامب، قبل خطاب خامنئي، يتابع نشر تهديداته لقادة الجمهورية الإسلامية، فأعلن مجددا أول أمس الخميس أن بلاده «ستوجه ضربة قوية جدا لإيران في حال مقتل أشخاص خلال التظاهرات المناهضة للحكومة»، وأتبع ذلك، أمس الجمعة، بنشر مقطع شريط مصور قال فيه إن أكثر من مليون شخص نظموا احتجاجات وأن ثاني أكبر مدينة في إيران (أي مشهد) باتت تحت سيطرة المتظاهرين وأن قوات النظام غادرتها.
بدأت التحركات الاحتجاجية، حسب ما أفادت به وسائل إعلام رسمية إيرانية، يوم 28 كانون أول/ ديسمبر 2025، حيث تجمع عدد من أصحاب المحال وباعة الهواتف المحمولة احتجاجا على تقلب سعر الصرف وتدهور أوضاع السوق.
إضافة إلى انخفاض سعر العملة وتقلّبات الأسواق، تواجه حكومة طهران أزمة متفاقمة في إدارة شؤون البلاد، وهو ما ظهر خلال تعاملها مع أسوأ أزمة مياه منذ خمسين عاما، كما تواجه نقصا حادا في الكهرباء والغاز والوقود، وهو ما دفع الرئيس بزشكيان في نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي للقول إن السلطات قد تضطر إلى إخلاء العاصمة من سكانها «إذا لم تهطل الأمطار». تعاني إيران أيضا من تضخم مرتفع وركود متواصل لسنوات، لكن ما يجري اليوم في الأسواق يعكس حالة تقارب الانهيار الاقتصادي.
اتسعت رقعة الاحتجاج بعد انطلاقها لتصل إلى جامعات طهران، ولتشمل فئات اجتماعية أوسع تعاني من تفاقم الضغوط المعيشية، كما نجحت في استقطاب حركات مدنية ونقابية، وسرعان ما تحوّلت الشعارات في بعض المناطق إلى مطالب ذات طابع سياسي واتسعت جغرافيتها إلى أكثر من 20 محافظة، وسجّلت بعض المدن مناوشات بين محتجين وقوات الأمن أسفرت عن مواجهات متواصلة أدت إلى وقوع قتلى من المدنيين، ووثق آخر إحصاء لمنظمات حقوقية مصرع ما لا يقل عن 46 متظاهرا، كان آخرهم سبعة قتلى يوم الأربعاء الماضي، كما وقع قتلى من عناصر النظام.
تزامنت تصريحات ترامب المهددة بالتدخّل، قصدا مع لقائه برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وتبعتها تصريحات فجة ومنافقة لمسؤولين إسرائيليين، بمن فيهم اليميني المتطرّف بن غفير، حول «وقوف إسرائيل مع الشعب الإيراني»، وتعد التظاهرات أول موجة احتجاجية بعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، وهي هجمات أدت إلى ضربة كبيرة للمشروع النووي الإيراني، ومنظومته الصاروخية، واغتالت العديد من علمائه الكبار. تجيء هذه الأحداث الكبيرة أيضا بعد العملية العسكرية الأمريكية التي جرت في فنزويلا، وأدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وسارع السناتور ليندسي غراهام، بعدها، لاستخدام الواقعة لتوجيه تهديد لخامنئي.
لقد خرجت الاحتجاجات الشعبية في إيران نتيجة الضغوط الاقتصادية، لكنّها تحمل بالتأكيد آثار وتداعيات وأسباب الاحتجاجات السابقة، من رفع أسعار البنزين في العام 2019، إلى وفاة مهسا أميني في الاحتجاز في العام 2022، وهي تحمل مطالب تتعلق بأسلوب الحكم والمسؤولية والمستقبل الاقتصادي للبلاد بحيث تلاشى فيها بسرعة الخط بين الاقتصادي والسياسي.
في المقابل، تواجه إيران، في إسرائيل، عدوا خطيرا، تثير تصريحات مسؤوليه المتفجعة على المتظاهرين الأبرياء، وهم يخوضون حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، الاحتقار والسخرية، كما لا يمكن الاستخفاف بالتمييز الذي وضعه بزشكيان بين المتظاهرين السلميين وبين عناصر ممكنة لدول خارجية، أو لتنظيمات تقوم بقتال مسلح ضد النظام.
يواجه النظام في إيران معضلة كبرى في موازنة المطالب المحقّة للمحتجين، والمخاطر الخارجية الفعلية على وجوده، ومن المؤسف أن اصطفاف الإيرانيين مع قيادتهم أثناء الهجوم الإسرائيلي ـ الأمريكي في حزيران/يونيو 2025، يتعرّض الآن إلى تآكل قد لا تنجح معه الأساليب القديمة في معالجة الاحتجاجات.

رأي “القدس العربي” اليوم

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى