مقالات

مـــوكــــب “أبـــو دعّـــاس..

د. محمود المسلماني/ لبنان
خاص “المدارنت”..
الشمس تستعدّ للمغيب، والحرارة التموزية سكنت حدتها، لتحل في الأجواء نسيمات شمالية منعشة. وتدبّ في القرية حركة نشطة. النسوة يحملن جرارهن نحو “السبيل”، وابتسامات تطفح على الشفاه، وأحاديث يتبادلنها تشي باهتمامات كثيرة.
وترتفع اصوات الصبية هنا وهناك، يخرجون من الأزقة الضيقة زرافات ووحدانا، يلتقون في الساحة، يلعبون يصخبون، يتصايحون، يتعاركون، ويفضّون خلافاتهم بسلام.
وأمام بعض الدكاكين، يلتقي مسنّون من أبناء الضيعة يتداولون في شؤون شتّى، فيما يلهو بعضهم بألعاب “المنقلة” والـ”داما”.. مطلقين نبرات التحدي بين الفينة والأخرى.
كنت أجلس وأحد اترابي على درجة في خرابة مهجورة، نتأمل مشاهد الحركة النشطة حولنا، فيما كان الفلاحون على ظهور دوابهم او خلفها، وهي محمّلة بأكياس القمح والشعير التي جمعوها من بيادرهم الخيّرة.
تراهم يسيرون بخطى “ثابتة وعرَق اليوم التمّوزي ما يزال عالقا” على وجوههم وثيابهم، ممرّغاً تلك الوجوه والثياب بطبقة غبارية رطبة.
لكنّ المشهد الذي جذبني هو مشهد “ابو دعّاس”، وهو يتقدم اغنامه الى البيت. رجل لم تهرهر السبعون جدران بنيته، ولم تفتّ في عضد عزيمته ونشاطه. يرتدي “القمباز” والـ”حطّاطة” (الكوفية) والعقال واللباس (الشروال)، الذي اكتسب بياضه الأصيل لون الارض والتراب اللذين يتعامل معهما باستمرار.
كان فوق دابته بسحنة أضفت عليها الشمس سمرة داكنة، يسير نحو منزله في اعلى الضيعة لا يلتفت يمنة ولا يسرة، وعلى شفتيه كلمات تتردد بين الحين والآخر، فلا تفهم لها معنى او تدرك لها غاية محددة.
خلف “ابو دعّاس” يسير القطيع صامتاً، فلا تسمع سوى صوت حوافره تطأ التراب بوتيرة واحدة. الكبش في الامام، يسير وقوراً بخطوات متّزنة؛ فهو يعرف مقامه في القطيع، ولا يفرّط به؛ فإذا حاول احد الخراف ان ينافسه أو يتقدمه، نكزه بقرنه، فعاد الى موقعه صامتاً مدحورا.
هكذا كان القطيع يسير، وفي الخلف وعلى الجانبين كلبان اسودان مخيفان، يتحركان خلفه يمنةً ويسرة، فلا يجرؤ أحد على اقتحام حماه.
كنت ورفيقي أتابع هذا المشهد بشغف، عندما طرق صوت الوالدة أذنيّ تناديني للعودة الى البيت، وحمل “زوّادة” العشاء الى الوالد الذي سيبقى في الحقل، لسقاية الأشجار في موعدها الليلي هذا الأسبوع.
أسرع الصبيّ ملبياً نداء أمه، فيما غادرت درج تلك الخرابة، تاركاً خلفي موكب “أبو دعاس”، وذلك الماضي العذب يناديني بحرارة ممسكاً بقدميّ، وأنا بين موقفين متناقضين، خطوة الى الامام واثنتين الى الخلف.
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى