مقالات
العرب في “البيرو”.. عالم مجهول.. (1)..
خاص “المدارنت”..
بعد الإعلان عن الإجتماع الثالث للقمة العربية-الأميركية الجنوبية في شباط 2011 في ليما عاصمة البيرو، بدأ الإهتمام الشعبي البيروفي بأخبار العالم العربي؛علما أنه لم يكتب النجاح لتلك القمة الموعودة في التاريخ المحدد لها بسبب اندلاع ثورات الربيع العربي، التي كانت في طليعتها ثورة تونس؛ في حين لا نكاد نجد أحدا من الكتّاب الباحثين قبل ذلك قد تناول الحضور العربي في البيرو. ثم ما لبثت القمة أن عقدت لاحقا في “ليما” بتاريخ الأول والثاني من شهر أكتوبر عام 2012 م.
ولعلّ كتاب الباحثة “ليلى برطيط” الصادر عام 2005 بعنوان: ذاكرة الأرز والزيتون، الهجرة العربية إلى البيرو (1885-1985).
Memorias de cedro y olivo: la inmigración arabe al perú (1885-1985).
هو بداية الدراسات المعمقة في الموضوع، يليه كتاب الباحث “فريد كحّاط”: البصمة العربية في البيرو 2010 م. la huella arabe en el perú.
وفي الكتابين دراسات ميدانية إجتماعية عبر استمارات مكتوبة،ولقاءات موثقة مع شخصيات عربية أو من أصل عربي في البيرو.
بداية،حاول “كحّاط”، وهو أستاذ جامعي في البيرو، من أصول فلسطينية، أن يميّز بين العربي والمسلم، وضرورة عدم الخلط بينهما، بالرغم أن كليهما من المهاجرين إلى البيرو ويتكلمان اللغة العربية، وينتميان إلى دول عربية معروفة مثل سوريا وفلسطين ولبنان.
ويعلّل أسباب الهجرة الأولى التي كان روّادها من المسيحين الأرثوذكس وبعض اليهود من أراض كانت تابعة للدولة العثمانية، ممن كان يطلق عليهم “أهل الذمة”، الى هروبهم من بطش العثمانين، ومن الخدمة العسكرية الإلزامية، ومن دفع مبالغ ضخمة مقابل الإعفاء من الجندية، في زمن لم يكن المال متوفرًا لسكان بلاد الشام، بل كانت تعصف بهم ضائقة إقتصادية شديدة الخطورة ، تحولت إلى مجاعة مع بدايات القرن العشرين.
أما بعد الحرب العالمية الأولى وتداعياتها وصولًا إلى الحرب العالمية الثانية، فكانت قضية فلسطين هي السبب الرئيسي للهجرة، وكان معظم المهاجرين من المسيحيين؛ وعلى العموم، فما كتبه الباحث “كحّاط” يحتوي على عدة عناوين،منها الإجتماعي والتاريخي واللغوي، وهو بحاجة إلى مزيد من البحث بشقيه: التاريخي والميداني.

بينما تناولت دراسة “ليلى برطيط”، هجرة العرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وسلطت الضوء على انتقال معظمهم من الدول المجاورة للبيرو، عبر الطرق البرية أو البحرية، فنرى قادمين من البرازيل والأرجنتين وبنما وكوبا ، ممن وصلوا إلى مرافيء تلك الدول بجوازات سفر عثمانية، وغالبية أولئك من الفلسطينين الذين ينتمون إلى طائفة الروم الارثوذكس، من عائلات خوري وأبو غطاس، وشحادة وسعيد وكحّاط.
وتشير دراسات بيروفية أخرى أن جزءًا من الجالية الفلسطينية التي كانت موجودة في منطقة Valparaiso على ساحل تشيلي، انتقلت عام 1884 م. إلى البيرو، وكان أول الواصلين “سعيد ساحورية” من بيت لحم، بينما وصل الإخوان “جاد الله رابي وسعيد رابي”، بين أيار وحزيران عام 1886، بعد قدومهم إلى أميركا اللاتينية عبر مرفأ “بوينس آيرس”، في الأرجنتين.
ويضيف إلى تلك المعلومات، باحث في الهجرة الفلسطينية هو “خوان سقالا الياس”، أن أول الواصلين إلى البيرو كان عام 1888، الاخوان بطرس وخليل مخايل، وصل بعدهما “حمّاه كحاط” ( hammah kahhat)، قادمًا من “بيت جالا” عام 1895، وهو مؤسس عائلة كحّاط في البيرو التي يصل عدد أفرادها اليوم إلى 1200 شخص.
وإذ تميزت الهجرة الفلسطينية بأعدادها الكبيرة قياسا بمهاجري لبنان وسوريا إلى البيرو، فقد يكون مردّ ذلك إلى أن غالبية هؤلاء قد بدّلوا أسماءهم بأسماء لاتينية، فتضاعفت صعوبة الوصول إلى معلومات عنهم.
ويتفرد الباحث “دنيس كوتشي” بالإشارة أن معظم المهاجرين اللبنانين والسورين الوافدين إلى البيرو لم يأتوا عبر مرافيء الأرجنتين وتشيلي، بل قدموا من الأراضي البرازيلية حيث كانوا يعملون في تجارة المطاط التي التي ازدهرت بين أعوام 1850 و1920 م، ويظن أنهم عبروا نهر الأمازون باتجاه البيرو، قاصدين مدينة “إيكيتوس”، والغريب ألاّ تذكر الدراسات شيئًا عن تواصل هؤلاء مع المهاجرين العرب الذين استوطنوا في المدن البيروفية الأخرى، مثل العاصمة ليما؛ ولذلك يرجح أنهم لم يختاروا البيرو كبلد للهجرة، وإنما استقروا فيه بمحض المصادفة. وغالبية من استقر في المدن الداخلية وصل من الأرجنتين عبر بوليفيا وتشيلي، في رحلات بالقطار، أو عن طريق ببحيرة “تيتيكاكا” التي تقع على حدود بوليفيا- البيرو، مرورا بغابة “كوسكو” في البيرو، تلك الرحلات التي كتب عنها الرواة حكايات العذاب والحزن، عن طرق السلب والنصب والقتل، وضياع عرب كثيرين في في تلك المجاهل والأصقاع.
ولقد عرفت الموجة الثانية حضورًا لافتًا للسوريين واللبنانيين في مدن “Pisco” و “Chiclayo” إضافة إلى العاصمة “ليما”، وعرف منهم عائلات: فخري_ حداد_ اسكندر_ جبّور_ مفرّج_ نعيم_ بو غصن، الذين مالبثوا أن توزعوا على أنحاء البيرو؛ وكثير من هؤلاء وصل إلى البلاد بجواز سفر فرنسي، بعدما حلّت سلطة الإنتداب الفرنسي في سوريا ولبنان محل الحكم العثماني، وهناك آخرون لم تشملهم الدراسات لأنهم اندمجوا كليًا بالمجتمع وحملوا جوازات سفر بيرونية.
أما عن هجرة العرب المسلمين، فابتدأت بعد الحرب العالمية الأولى، مع أعداد قليلة وصلت إلى ساحل البيرو آتية من كوبا في مدن “بيورا” و”بسكو” و”تشيكلايو”، ومعظمهم يتحدرون من “رام الله”؛ وتضاعفت الهجرة الإسلامية بعد عام 1950م، إلى العاصمة ليما بشكل خاص، وصار المسلمون يعادلون المسيحيين من حيث العدد تقريبا. فيما تذكر مصادر متعددة أن الوجود الإسلامي في البيرو يعود إلى بدايات القرن السادس عشر مع وصول “الموريسكوس” مع طلائع الحملات الإسبانية إلى أميركا اللاتينية، ناهيك عن وصول أكثر من ألف وخمسمائة مسلم صيني إلى البيرو في القرن التاسع عشر، اعتنق أكثرهم الديانة المسيحية.

ويعطينا المؤرخ “خلدون نويهض” مثالا عن تداخل الهجرة في أكثر من دولة من دول أميركا اللاتينية، وانتقال العائلات من دولة إلى أخرى معلّلا الأسباب التي غالبا ما تكون بحثا عن فرص تجارية أفضل فيقول:(إن أول عربي حلّ في البيرو هو سعيد ساحورية الذي هاجر من بيت لحم عام 1884، وأسس شركة تصدير واستيراد عام 1914 م، ثم وسّع نشاطه التجاري باتجاه بوليفيا التي فتح فيها مصنعًا للنسيج عام 1912 م، ليظهر اسمه بعد عام 1935 في سانتياغو عاصمة تشيلي على رأس مؤسسة تجارية، مهدت لتصبح عائلة سعيد من أغنى عائلات تشيلي).
ومن نافل القول أن مصادر البحث حول هجرة العرب إلى البيرو، تكاد تكون معدومة، وذلك لسببين: الأول يعود إلى كون الهجرة العربية إلى هذا البلد متواضعة العدد إذا ما قورنت بالهجرة إلى الدول المجاورة مثل تشيلي والبرازيل والأرجنتين، والسبب الثاني يعود إلى أن العرب في البيرو اندمجوا بشكل سريع وسهل، لدرجة لم يلفتوا معها انتباه المجتمع، أو انتباه الباحثين إلا بشكل محدود؛ وربما كانت ندرة الدراسات حول العرب في البيرو سببا أساسيا في عدم تقدير أو إحصاء عددهم بشكل صحيح.
(يتبع)





