ابتزاز طائفي..!

خاص “المدارنت”..
إنّ لعبَ دور الضحيّة، يعطي نتيجة في الحياة السياسيّة فقط. حيث تكون هذه النتيجة عبارة عن مكاسب سياسيّة في لعبة السياسيين. لكنّ في علم تحويل النزاع، فإنّ لعب “دور الضحيّة” يُعطي نتيجته منقوصة وغير واضحة الأهداف.
نعم، فمن يلعب دور الضحيّة، يحاول الضغط العاطفي على خصمه كي يربح بنوعٍ من ابتزازٍ عاطفي، يشبه حالة الطفل الذي يبكي، فيرضيه أهله ليس لصواب طلبه، بل ليرتاحوا من ضجيج بكائه.
لكنّ كيف يكون لعب دور الضحيّة إبتزازًا سياسيًّا؟ لقد قصدتُ تمسّك “الثنائي الشيعي” بحقيبة وزارة الماليّة. وفي بداية الأمر، لماذا يُقال “الثنائي الشيعي”؟ أليس هذا مصطلح تقسيمي؟ ولا يطال سوى مكوّن واحد له الحقّ في أن يكوّن مع باقي المكوّنات وطنًا واحدًا.
لا لست أتحدّث عن “إدوار” المسيحي الخائف من “المحمودات” في مسرحية فيلم أميركي طويل لزياد الرحباني، فمشكلة التمسّك بوزارة الماليّة، تدور الآن في فلك يُسمّونه “تشاوري” بين المحمودات. وخلال مشاهدتي لخبر الإنفجار في الجنوب في بلدة عين قانا، أيقنت تمامًا لماذا يتمسّك الشيعة (ولا يهم أن يتفقوا على شخص محدّد) بوزارة الماليّة.
ففي التصريح الرسمي يطمح الشيعة إلى المشاركة في لعبة المحاصصة، حيث تفرض الميثاقيّة (وهذا مصطلح لبناني بحت) بأن لا يتم التوقيع على أي مرسوم مالي مناصفة، كما هو معروف بين المسيحيين والمسلمين، بل يجب أن يكون هناك “توقيعهم الثالث”. فالمعيار العددي للمُسلمين، جعهلم يفرضون “زاروب” مذهبي جديد، ليتوه العمل السياسي أكثر فأكثر في لبنان. المسيحيون (لرئاسة الجمهورية، وحصة الأسد للموارنة فقط) والمسلمون (السُنّة لرئاسة الحكومة) والشيعة (لرئاسة مجلس النواب).
ونتيجة غياب الثقة بين الأطراف في لبنان، بعد حربٍ أهلية دامت 15 عامًا وانتهت قسرًا من الخارج، فمن الطبيعي أن تتمسّك طائفة ثنائية الأقطاب بوزارة المال. فحتى لو تعرّضت للغدر في تجربتها اللبنانية، فالإمتداد التاريخي لهذه الطائفة يحثّها، لا بل تأنس للعب دور الضحيّة سياسيًّا. فالغُربة القائمة بين المستويين السياسي والإجتماعي، تجعل التأثير مُتبادل بينهما.
فالمستوى الإجتماعي مصدره الشعب، ومن الصعب الإحاطة بمستوى وعي واحد للناس، وبالتالي الرأي الغالب هو للأكثرية. وهذا ما أدعوه الهوية الشعبية. فالهوية الشعبية التي يُترجمها مباشرة أي فرد من هذا المكوّن الشعبي حين يشاهد “كاميرا” تلفزيونيّة: “نحنا فدى الإستاذ والسيّد”.. وحتى لو كانت مُهمّة تلك الكاميرا نقل خبر الساعة المُغاير تمامًا.
أمّا على مستوى السياسة، وهو عمل نخبوي، فلا استغرب بأن يُصرّح رئيس مجلس نواب (منذ 28 سنة)، أنّه يعتبر الحلّ للأزمة اللبنانية بالخروج من الطائفية إلى الدولة المدنيّة العلمانيّة، وفي الوقت عينه يتمسّك بالحصول على حقيبة وزارة الماليّة لصالح طائفته، نعم، فزعامته وبقائه في موقع الرئاسة يستندان كُليًّا الى الجمهور، الذي لا أعلم لماذا هتفوا أيضًا أمام الكاميرا: “شيعة..شيعة..شيعة..”.
بحسب خبرتي التربوية المتواضعة، وأطّلاعي على علم الدماغ، لا أجد سوى تفسيرًا واحدًا. إمتداد العقل الجماعي الذي يستخدم “التفكير الغيبي” كمنهجية، لإستمرار طائفة نشأت على فكرة الظلم الذي جعلها ضحيّة لفهم خاطئ: لمن تكون السلطة السياسية من بعدي؟
وامتدّ دور الضحيّة إلى هذا الحين. بحسب خبرتي في علم التواصل، لا بُدّ من مبادر يُشعر الطرف الآخر بالثقة والطمأنينة. ومن جديرٌ بالمبادرة غير الخبير العتيق بالعمل السياسي، والمُحنّك ديبلوماسيّا بإدارة الخلافات بين الكتل النيابية في الجلسات المكّوكيّة، “قولا دولة الرئيس قولا”.



