مقالات

الإسلام… وتدخل الدولة في النشاط الإقتصادي!

الشيخ الدكتور حسان محيي الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”..

حق الدولة في التدخل في النشاط الإقتصادي، سواءً لمراقبة هذا النشاط أو تنظيمه أو مباشرة بعض أوجه هذا النشاط، هو حق أصيل قرره الإسلام منذ أربعة عشر قرناً ونيّف ومجالات تدخلها في:
١_ مراقبة سلامة المعاملات وشرعية النشاط الإقتصادي عن طريق المحتسبية.
٢_ حفظ التوازن الإقتصادي بين أفراد المجتمع، لقوله تعالى “… كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ…”، والعمل على إعادة التوزيع عند افتقاد هذا التوازن كتصرف الرسول صلى الله عليه وسلم في توزيع فيء بني النضير بأن اختص به المهاجرين دون الأنصار
٣_كفالة حد الكفاية لكل فرد، عن طريق مؤسسة الزكاة
٤_نزع الملكية الخاصة للمنفعة العامة كتوسيع المساجد وانفراد الدولة ببعض أوجه النشاط الإقتصادي التي يُعجِز الأفراد القيام بها، والتأميم بقدر ما تقتضيه مصلحة المجتمع.
وليس ثمة خلاف بين فقهاء الإسلام عامة، والباحثين في الإقتصاد الإسلامي خاصة، حول مبدأ تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي ويبقى الخلاف بينهم حول بيان السند الشرعي لهذا الحق وحول مدى هذا التدخل وحدوده.
لقد كان تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي في عهد رسول الله محدوداً وذلك بحكم بساطة الحياة وضعف الإقتصاد من ناحية، وانتظام الأمور تلقائياً بقوة الوازع الديني من ناحية أخرى، لتنشط بعدها دائرة التدخل في صورة الرقابة والتنظيم والقيام بمباشرة النشاط الإقتصادي تبعاً لتغير الظروف أما اليوم فيرتفع تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي ليصل إلى مرتبة التخطيط الإقتصادي الشامل، أما عن حدود هذا التدخل فإنه مقيد بدائرة الشريعة الغراء، فلا يجوز للدولة أو ولي الأمر أن يبيح الخمر أو يحلل الربا أو يعطل قانون الإرث، وللدولة الحق في التصرف والأعمال المباحة في الشريعة، فإحياء الأرض واستخراج المعادن والتجارة من ألوان النشاط الإقتصادي والمسموح والمباح للدولة القيام بها، فسنة الإسلام في تنظيم المجتمع من كل جانب من جوانبه قد جرت على البدء بفرض تعاليمه بمقتضى العقيدة عن رغبة واختيار فإذا صدع بها الأفراد خفت مؤونة الدولة وإذا أحجموا عن تنفيذها بدأ تدخل الدولة.
ولا شك أن دائرة تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي سواء في مجال المراقبة أو التنظيم، تضييق كلما كان الأفراد يلتزمون تلقائياً الصدق والأمانة فيما يباشرونه من نشاط إقتصادي طالما توافر لكل فرد حد الكفاية ولم يكن ثمة خلل وتفاوت شديد في توزيع الثروة وطالما كان الأفراد يقومون بكافة أوجه النشاط الإقتصادي الذي تتطلبه مختلف احتياجات المجتمع، أما حين يضعف الوازع الديني أو الخُلُقي وينحرف الأفراد في ممارسة نشاطهم الإقتصادي، لا يبغون سوى الإحتكار أو الإستغلال على النحو الذي نشاهده اليوم في بعض مجالات التجارة (محروقات، طحين، زيوت، لحومات) والصناعة وخدمات التعليم والصحة وهنا تكمن الفضائح والمحسوبيات ما يؤدي الى اختلال التوازن الإقتصادي وتهالك العجلة الإقتصادية للدولة ما يؤدي للإنهيار، ومن نماذج تعامل الإسلام مع الحركة الإقتصادية، فالنبي رفض تسعير السلع لقوله عليه الصلاة والسلام (إن الله هو القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال) هذا ما يعرف في القانون الإقتصادي (عنصر نفقة إنتاج السلعة) و (عنصر منفعة السلعة) أما إذا صار ثمن السوق مجحفاً بأحد الطرفين، فإنه يصير لزاماً على الدولة أن تتدخل لقول الرسول صلى الله عليه وسلم “من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، كان حقاً على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعُظم من النار يوم القيامة”، وعلى أن يراعى دائماً في تحديد الأسعار وألّا يلحق ضرراً بالمنتج والمستهلك وإلّا تحملت الدولة فروق الأسعار وهو ما عبّر عنه إبن قيّم الجوزية بقوله (وجماع الأمر أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير، سُعِّر عليهم تسعير عدل لا وكسٍ ولا شطط)
وفي عهد الفاروق عمر، مثلاً، منع عمر بيع اللحوم وأكلها يومين متتاليين من كل أسبوع وذلك حين قلّت اللحوم ولم تعد تكفي جميع الناس في المدينة وكان يأتي مجزرة الزبير بن العوام رضي الله عنه بالبقيع ولم يكن بالمدينة سواها، فإن رأى من خرج عن هذا المنع ضربه بالدواة ،
ومن أعماله أيضاً في الإقتصاد، تحديده إقطاع الأرض التي لا مالك لها بقدر تعميرها، فيقول لبلال بن الحارث المزني (انظر ما قويت عليه منها فامسكه وما لم تقوَ عليه فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين) ولا يخفى علينا مصادرة عمر كل زيادة غير معقولة في أموال ولاته، لمجرد شبهة استفادة الوالي من منصبه، فكيف لو كان رضي الله عنه في بلدنا اليوم، تكاد لا تتسع المحاكم من أصحاب النفوذ والمناصب الذين سخروا مقومات الدولة لهم ولأبنائهم، هذا إلى ما هو معروف من نزع عمر الملكية الخاصة للمنفعة العامة ورفضه توزيع الأراضي المفتوحة على الغانمين واعتبارها ملكية جماعية.
في النهاية، التخطيط أياً كانت صورته وأياً كان مداه بحسب اختلاف ظروف الزمان والمكان هو مطلب شرعي، وهو يقوم على اعتبارات موضوعية قوامها الأرقام والإحصائيات، وهو وسيلة عملية لضبط الأهداف وتحديد وسائل تحقيقها في فترة ممكنة وبأقل جهد وكلفة وتزداد أهمية التخطيط وتشتد حاجتنا إليه في كافة المجالات ولا سيما المجال الإقتصادي وإننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا أن عصر اليوم هو (عصر التخطيط الإقتصادي).
=====================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى