مقالات

الإلحاد والإيمان..!

عمر سعيد/ لبنان
خاص “المدارنت”..
لم يكن الإيمان ميزة، وما كان الإلحاد ردية. إنما الإلحاد والإيمان طريقتا تفكير لتناول تجربة الإنسان في هذا الكون، والتي إن خلت منه، خلا الكون كله من أي معنى أو قيمة.
غير أن البعض مسكون بالدهشة تجاه الاقتباسات، التي يعجبه أن يلوكها بلا تمحص. فالحياة بضروراتها، ليست أكثر ولا أقل. لأن قيمة الماء بالنسبة لكائنات لا تعطش ولا تحتاج الماء تساوي صفر. كالخلد الذي لا يحتاج إلى الضوء، لأنه بغير عيون. وإن اتفق العلماء على أنه فقد وظيفة عيونه لاختفاء الضوء من حياته.
ولأني لا أعرف تعريفاً للإيمان، أنصح الآخر بعدم تعريف الإلحاد. ولأن الإيمان يثبته الإلحاد والعكس صحيح، إذا، فلنتوقف عن تعزيز المواجهة بين مصطلحين، لا يغيران شيئاً في قيمة التجربة الحياتية، ما دام الأمر كله عبارة عن طريقة لفهم هذا الكون، وفهم ميكانيك العلاقات بين ثنائياته اللامتناهية.
فالخير خير إن بقي الشر شراً، وما هذا الديالكتيك، إلا لضرورات هذا الكون، الذي يقوم على منطق الثنائيات المتوالدة بلا حدود. وسواء أثبت المؤمن أن لهذا الكون مدبر، يسيطر على كل صغيرة وكبيرة فيه ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
أو أثبت الملحد، أنه كون يعمل بشكل آلي تلقائي وفقاً لمعادلات تولد نتائج، فإن كلا الاثباتين لن يغيرا حقيقة أن العقل البشري محور هذا الوجود.
وما دام العقل من شروط الإيمان، ومن شروط الإلحاد توفر عقل، فإن أبرز مهام العقل هي النقاش والمحاكمة ثم الاختيار، لتصبح الفرضيتان حقيقتين. لذلك تظل القيم هي القاعدة الأصل لدور الإنسان في هذه التجربة، وبغض النظر عن عقائده المتغيرة وفقاً لتغير الظروف.
فالقيم ينتجها الطين، لأنه الوحيد الذي ينتج الاقتصاد، والاقتصاد هو الذي يحدد القيم. نعم إن الطين هو الذي ينتج القيم. لأن الجغرافيا هي التي تقرر جسد الإنسان شكلاً، وجوهراً، وفكراً وقيماً.
ووفقاً لقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، نستنتج أن الجغرافيا هي التي تتحكم بكل شي. فإذا قضت الجغرافيا قحطا وجوعاً، أباحت ضروراتها ممنوعات حجبت قبل القحط. وبالتالي نستنتج: أن المرونة هي أبرز سمات هذا الطين البشري؛ التي تمكنه من أن يتكيف مع الظروف المستجدة للمحيط.
والعقل وليد جغرافيا، راكمت أزمنتها اقتصاداً و تواريخ وأحداثاً، حددت نظرة الإنسان فيها إلى ما حوله، بما فيه السماء.
وحدها القيم لا تتأثر بالجغرافيا، لأن جغرافيا القيم تمتد على مساحة الوعي البشري وحرية الفرد، وانفتاح الجماعة، وغريزة السعي قدماً. ولم تنتج القيم عن سمة القطعنة التي تساوت فيها بعض المجتمعات البشرية مع شركائها في هذا الكوكب من الكائنات الأخرى. بل نتجت عن سمو الوعي والسلام الرحمة والمحبة والمشاركة، التي لا تأتي تأتي بها الفطرة المهملة في الإنسان أكان ملحداً أم مؤمن.
فكم من بشر أذل بفطرته نفسه وسواه، وكم من مجتمع دمر مقدراته بفطرته التي يرفض التخلي عنها. وما الحياة إلا اختيارات، وما من عقل نضج إلا واختار ما يمكنه.
بالتالي، فإن الإلحاد والإيمان طريقان غير متوازيتين، بل إنهما تتقاطعان في كثير من الجغرافيا الإنسانية، سعياً للحقيقة والخلاص والتقدم، من أجل بلوغ الإنسان.
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى