الاحتلال ينقل حروب التجويع إلى داخل السجون!
“المدارنت”
قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن توفير الغذاء الملائم للسجناء الفلسطينيين هو «ألف باء حكم القانون» وأن تقنين حصص الطعام لا يمكن استخدامه كواحد من أشكال العقاب. وأضاف القرار، الذي حظي بتصويت اثنين مقابل اعتراض واحد، أن دولة الاحتلال فشلت في أداء التزاماتها القانونية بخصوص الإطعام المناسب للسجناء الفلسطينيين.
وجاءت فتوى المحكمة العليا بمثابة توبيخ صريح لوزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير، أحد أبرز ممثلي اليمين الديني المتطرف والفاشي في الحكومة الإسرائيلية، الذي كان وراء إجراءات عقابية قاسية بحق الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
وكانت «رابطة الحقوق المدنية» ومنظمات «غيشا» قد تقدمت بعريضة مشتركة في شهر نيسان/ أبريل سنة 2024 تطعن في إجراءات بن غفير ومصلحة السجون الإسرائيلية، وتتهمها بتعمد تخفيض الحصص الغذائية إلى مستويات أقل من الحد الأدنى الذي يكفل العيش، الأمر الذي عنى في الجوهر اعتماد سياسة تجويع للسجناء الفلسطينيين. وأن تكون المبادرة أتت من منظمات حقوقية إسرائيلية، واستغرقت المحكمة نحو 30 شهراً للبت في العريضة، سياقات تؤكد المأزق العميق الذي تواجهه خرافة «الواحة الديمقراطية» الوحيدة في الشرق الأوسط.
فليس خافياً أن مساعي الجهات الحقوقية، بموازاة بعض قضاة المحكمة العليا، هدفها إنقاذ ما تبقى من أكاذيب حول دولة القانون. وأن ينشق القاضي الثالث دافيد منتز وينحاز إلى إجراءات العقاب الغذائي، إشارة جلية إلى ترسخ الفاشية والعنصرية والهمجية في قلب المؤسسات القانونية العليا ذاتها.
ولا عجب أن يتوافق هذا القاضي مع الوزير بن غفير الذي تفاخر علناً بتخفيض نوعية الحصص الغذائية للسجناء الفلسطينيين، واستنكر قرار المحكمة العليا، وسخر منه بالقول: «رهائننا في غزة ليست لديهم محكمة عليا تدافع عنهم».
والإحصائيات المتوفرة تشير إلى أن أعداد الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال تتجاوز 9,400 أسير، بينهم نحو 80 أسيرة، وأكثر من 200 طفل، وهذا بمعزل عن قرابة 3,600 معتقل ممن تواصل سلطات الاحتلال، تصنيفهم تحت صفة الاعتقال الإداري التي لا أصل لها في أيّ قانون وشرعة، لأن المعتقل بموجبها لا يخضع لأي تهمة أو محاكمة. وكل هذه المعطيات لا تُدرج المئات من الفلسطينيين المعتقلين في مناطق قطاع غزة، أو أولئك الذين اعتُقلوا خلال تواجدهم للعمل في الداخل الإسرائيلي.

وإضافة إلى النهج الفاشي الذي تنطوي عليه خانة الاعتقال الإداري، الذي يمكن أن يبدأ من 3 أشهر ويُمدد إلى 6 أشهر وقد يطول إلى 5 سنوات وأكثر، بقرارات من محاكم عسكرية وحيثيات تُحجب عن محامي الاسرى، فإن السجين الإداري يُحرم من زيارات أفراد أسرته وأقربائه، ومن الحدود الدنيا للعلاج الطبي اللائق في حال المرض أو الإضراب عن الطعام.
والأرجح أن قرار المحكمة العليا سوف يبقى حبراً على ورق، فالحكومة الإسرائيلية التي تنتهج حروب التجويع في سائر قطاع غزة هي ذاتها التي بدأت عهدها بمحاولات إحالة تلك المحكمة إلى رفوف الإهمال والتعطيل.



