المشروع الإيراني التوسّعي، الى أين؟ قراءة في السياسة الخارجية الإيرانية – الجزء “10” والأخير

خاص “المدارنت”..
كتب د. عبد الله حويس، د. أحمد حمّود
إن التطورات الأخيرة في العراق ولبنان، ومناطق اخرى من الوطن العربي، تؤكد أن الشعوب العربية لم تسكت ولم تستسلم للواقع السائد منذ عقود عديدة، أنظمة القمع والاستبداد تسود، والسيادة الوطنية منقوصة، والوضع الاقتصادي والاجتماعي صعب، لا بل يمكن القول إنه في أسوأ حالاته، وفقا للمعادلات الاقتصادية الدولية. فالثورات تتواصل في العراق ولبنان، بعد السودان والجزائر، والحروب المدمّرة في اليمن وسوريا، مما يدل على أن في المنطقة شعوب حيّة لم ترضخ لحكامها، وبالتالي لن ترضخ لحكم أجنبي.
ما يعنينا هنا، هو المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة العربية، وامتداداته وأدواته من الأحزاب والقوى التابعة له، التي لها دور فعّال في إدارة عدة بلدان، وبالتحديد في العراق ولبنان وسوريا واليمن. هذا المشروع الذي ينافس المشاريع الخارجية الأخرى للسيطرة على المنطقة، في ظل غياب مشروع عربي مواجِه، وتغييب لدور مركزي (قطب جاذب) يمكن أن تلعبه مصر.
هذا المشروع، يستهدف السيطرة على المنطقة العربية، ليس فقط بسبب أهميتها الجيو ـ ستراتيجية، وإنما، لأنها أيضا هي قلب العالم الاسلامي. ومن هنا، فإن ايران تعتبر أن سيطرتها على المنطقة العربية هي الطريق الى مدّ نفوذها على العالم الاسلامي، مما يتيح لها أن تصبح ذات وزن كبير في العالم، وفي المعادلات والعلاقات الدولية.
فالتوسع الإيراني له علاقة محورية بالفكر الاستراتيجي الإيراني، الذي نجده في العديد من الدراسات التي تُدرّسها مؤسسات وزارة الخارجية الإيرانية. ومن المؤسف، ان الدول العربية أو أكثرها، بحدود علمنا، لا تعرف الكثير عن هذه المؤسسات، وعن الدراسات التي تنشرها، والتي من خلالها يمكن استنتاج طبيعة مشروع الهيمنة الإيراني.
لعل أبرز الكتب التي ترسم معالم السياسة الخارجية الإيرانية، كتاب “مقولات في الاستراتيجية الوطنية” لمحمد جواد لاريجاني، السياسي والديبلوماسي المتشدد طائفياً. وهو أحد مستشاري علي خامنئي، وبخاصة في مجال الأمن القومي، وينتمي الى عائلة شديدة النفوذ في ايران (مجلس الشورى والقضاء والسياسة الخارجية وغيرها). ويُدٓرَّس هذا الكتاب في وزارة الخارجية كمادّة أساسية، للطلبة الذين يدرسون الديبلوماسية الخارجية والسفارات.
يحدّد هذا الكتاب أربعة عوامل أساسية في السياسة الخارجية، يجب أن يهتم بها المسؤولون والسفراء والديبلوماسيون:
أولاً، معرفة الأوضاع الدولية، وإدراك وفهم الأحداث في العالم.
ثانياً، رسم استراتيجية قومية استناداً الى العامل الأول، من أجل فهم وتحديد واستيعاب المصالح القومية الإيرانية.
ثالثاً، رسم خطط عملية قابلة للتحقيق، من أجل تنفيذ الاستراتيجية القومية.
رابعاً، تنظيم وإدارة القوى والتنظيمات التابعة لإيران في الخارج، من أجل تنفيذ الخطط العملية.
ويُلاحظ عبر هذه العوامل، براغماتية الفكر السياسي الإيراني، الذي يستخدم القضايا الدينية والوحدة الإسلامية كوسائل وأقنعة للتمويه. فالهدف الاستراتيجي غير المعلن، والذي تتمحور حوله السياسة الخارجية الإيرانية، هو احياء القومية الفارسية وإمبراطوريتها، التي تعود لما قبل الاسلام. واستناداً الى الاستراتيجية القومية، يجري العمل على تحديد الخطط، وتبنّي المواقف والحلول المناسبة في كل بلد، على أساس أن “لكل باب مفتاح”.
في حالة العراق مثلاً، كان تدخلهم من باب المظلومية، تحت شعار أن للطائفة الشيعية حقوقاً مهضومة من الطائفة السنية، فشاركوا مع الاحتلال الأميركي في هدم كل مؤسسات الدولة، وبناء نظام المحاصصة الطائفية، والاستبداد والفساد والنهب. وفي لبنان، دخلوا في البداية من باب التحرير من الاحتلال الاسرائيلي، تحت الغطاء الديني، ثم من باب الدستور والتركيبة الطائفية، ليتغلغلوا فيه عبر الطائفة الشيعية، التي اختطفها حزب ولاية الفقيه الايراني.
ويأتي كل ذلك، تطبيقاً لنظرية “أم القرى”، التي صاغها محمد لاريجاني في نفس الكتاب، حيث يقول: “إيران دون أدنى شك أم القرى في العالم الإسلامي، والمحافظة على أم القرى، معادل للمفهوم المعرفي للمحافظة على الدولة”. ويقول أيضاً: “أحياناً، من أجل المحافظة على أم القرى، يجب أن يكون هناك تصرف معتدل مع بعض الدول، على الرغم من فسادها وجورها، فمن أجل المحافظة على أم القرى، يمكن تجرّع كأس السم”. (لاحظ كيف الغاية تبرر الوسيلة).
وبهذا الصدد، يقول علي لاريجاني، شقيق محمد لاريجاني: “صحيح ان ايران ليست اندونيسيا (اكبر دولة إسلامية) من ناحية عدد السكان، لكن العدد لا دور له. فإيران لها مشروع ولها رسالة، ومن خلال هذه الرسالة، تستطيع ان تقود العالم الاسلامي. وبما ان العرب هم قلب العالم الاسلامي، فمن يسيطر على العرب، يستطيع التأثير على كل العالم الاسلامي”. لذا ركّزت ايران ثقلها بشكل كبير على البلاد العربية، واستطاعت توسيع هيمنتها عبر أحزاب طائفية تابعة لها، وعبر زعمها تبنّي القضية الفلسطينية، التي تستقطب اجماع التأييد الشعبي العربي.
وبصدد هذه القضية، يجدر هنا ذكر ما ورد في مذكرات رفسنجاني، الرئيس الإيراني السابق، عن تعليمات علي أكبر ولايتي (وزير الخارجية الإيراني السابق والمستشار الحالي لخامنئي) في دورة تدريبية عام 1982، للسلك الديبلوماسي، قبل التحاقهم بعملهم في العواصم العربية: “ان القضية الجوهرية عند العرب هي قضية فلسطين، وبالتالي، يجب ان تكون في صلب الاهتمام الإيراني، كوسيلة لإستقطاب التأييد الشعبي العربي، من أجل مدّ نفوذ ايران، الذي يجب أن يستمر لكي تظل لاعباً رئيسياً في المنطقة”.
من هنا، تأتي الأهمية الكبيرة للتطورات الأخيرة، وللصحوة الوطنيّة في العراق وفي لبنان، من حيث انها لا يمكن إلا أن تنعكس سلباً على النفوذ الإيراني. هذا النفوذ الذي استند الى التفتيت والتغلغل الطائفي، ناسياً ان “السحر لا بد أن ينقلب على الساحر”، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار:
أولاً، صحوة الانتماء الوطني، والهوية العربية الراسخة في أعماق شعوب البلاد العربية.
ثانياً، التركيبة الداخلية في ايران، التي تتعدد فيها القوميات والأديان والمذاهب أيضاً.
هنا، لا بد أن نشير الى لاعلمية المؤسسات والدراسات والمقالات الغربية التي تتناول ايران، وكأنها وحدة واحدة متجانسة منسجمة، ليس فيها أيّ تناقضات من أي نوع.. وأكثرها ابتعاداً عن العلمية، تلك التي تشيد بالديموقراطية الإيرانية والانتخابات، في حين ان النظام الإيراني الثيوقراطي، يمنع اي إنسان من التكلم عن التعددية، ويجرّم أي نقاش حول تناقضات المجتمع الإيراني.
وكما هو معروف، في مجتمع قوي حرّ مزدهر، ان التنوع والاختلاف هما مَصْدر غنى وتطور وتطوير. لكن عندما يضعف المجتمع ويسود فيه الاستبداد والفساد، يتحوّلان الى مصدر تفتيت وصراعات وتدخلات أجنبية. ومن هذا الباب، دخل المشروع الإيراني في البلاد العربية، التي تتميز بتنوع كبير في مكوّناتها.. هذا التنوع الذي تحوّل، بغياب الحرية بكل أنواعها، وباستشراء الفساد بكل أشكاله، وبانتشار الجهل والتجهيل، وبخاصة الديني، وبانعدام الخدمات والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية، تحوّل الى أرض خصبة لتغلغل ايران في النسيج الوطني.
وبكل أسف، لقد أسهم جهل الكثير من النخب العربية السياسية والثقافية، بطبيعة وبرامج وسياسات وأهداف المشروع الإيراني، وفي توسعه وتحقيقه انتصارات عديدة افتخر بها (سيطرته على أربعة عواصم عربية). نشير هنا فقط الى الجهل، ولا نتطرق الى التجاهل، نتيجة شراء ذمم ونفوس النخب العربية التابعة للطغمة الحاكمة في إيران.
لكن لحسن الحظ إن الشعوب العربية، بصفاء معدنها وعمق انتمائها وبوصلتها التي لا تخطئ ووعي واندفاع وشجاعة شبابها، لم تنتظر النخب الفاشلة، ذاتياً وموضوعياً، بل حملت قضاياها بأيديها، ونزلت بصدورها العارية الى الساحات في مواجهة الطغم الحاكمة الفاسدة. وصحيح أنها في شعاراتها تركّز على الفساد، لكنها تعلم أن إسقاط الفاسدين هو الخطوة الأولى للتحرر والتحرير والحريّة، التحرر من الهيمنة الإيرانية، وتحرير أوطانها من التبعية والاحتلالات بكل أنواعها، وانتزاع حريتها من أيدي المستبدين وأسيادهم في الخارج.
هنا، لا بد من الإشارة الى الأهمية البالغة دينياً وشعبياً وسياسياً، لمواقف وتصريحات أصحاب السماحة المراجع والشيوخ: احمد الحسن البغدادي وحسن الموسوي وفاضل البديري وصبحي الطفيلي وياسر العودة وعلي الأمين ومحمد علي الحسيني، وغيرهم من النخب الدينية والسياسية والثقافية، الذين يقفون ضد الهيمنة الإيرانية المقنّعة بالدِّين، وضدّ محاولة ايران احتكار التشيّع عبر نظرية ولاية الفقيه. كما يعملون بلا هوادة ضدّ الجهل والتجهيل والتفرقة، ويدينون قمع وقتل المواطنين العرب بالدم العربي، لصالح مطامع سلطة الملالي. وبشكل خاص، يحذرون من استمرار الانخداع باستغلالها لشعارات المظلومية والقضية الفلسطينيّة والوحدة الاسلامية، وغيرها، لأن المشروع الإيراني في حقيقته ليس إلا مشروعاً قومياً فارسياً للهيمنة على العالم الاسلامي، بدءاً من السيطرة على البلاد العربية، وما الدين ولا فلسطين إلا أقنعة يتستر بها.. ألم تقف إيران مع أرمينيا ضدّ أذربيجان الشيعية؟ ألا تواصل قمع وتصفية الشيعة العرب في الأحواز؟ ألا تحمي الاستبداد والفساد في العراق وسوريا ولبنان؟ ألم تتواطأ مع أميركا بالهيمنة على العراق؟
وبعد، لقد توسع نفوذ المشروع الإيراني، ووصل الى حدود أكبر من قدراته وطاقاته، على حساب الشعب الإيراني وشعوب المنطقة، وعلى حساب حاجاتها وقوتها وحريتها وحقوقها وتعايش مكوّناتها. لكن، على الرغم ممّا حصل ويحصل في سوريا وفي اليمن، لا شك أن الثورة في العراق وفي لبنان والمقاومة في الأحواز والحراك الشعبي الإيراني.. فضلاً عن احتلال روسيا لسوريا، وإلغاء أميركا للاتفاق النووي، كل ذلك، يؤكد أن سقف مسار التوسع الإيراني قد أصبح وراءنا، مستنفداً كل امكانياته. وبالتالي، ألا يصحّ اعتبار تصفية أميركا لقاسم سليماني وهزالة الردّ الإيراني، رمزاً لبداية الإنحدار؟
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



