مقالات

الانتخابات العراقية.. إعادة تدوير النفوذ أم اختبار لخيارات التغيير؟

“المدارنت”
بين أمل التغيير وخشية إعادة إنتاج الماضي، يدخل العراق سباق الانتخابات البرلمانية العامة لعام 2025، وسط انقسامات سياسية وتحديات اقتصادية متراكمة. وقبل أسابيع قليلة من موعد الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 11 نوفمبر 2025، يعيش العراق واحدة من أكثر المراحل السياسية التباسا منذ عام 2003. فبينما تنشغل المفوضية العليا للانتخابات، بنشر أكثر من ألف لجنة لمراقبة الحملات الانتخابية، وفق ما أكدت المتحدثة باسمها نبراس أبو سودة، تتكثف الحملات وسط مشهد سياسي تتداخل فيه خطوط السلطة والولاءات والانقسامات الطائفية والجهوية، ما يجعل السباق الانتخابي المقبل اختبارا عميقا ليس فقط لتوازنات القوى، بل لجدوى العملية السياسية ذاتها.

القانون الانتخابي المعدل، الذي أُقرّ عام 2023، أعاد البلاد إلى نظام «المحافظة دائرة واحدة»، مع احتساب المقاعد وفق طريقة سانت ليغو المعدّلة بمعامل 1.7، وهو ما أعاد هيكلة المنافسة على أساس القوائم الكبيرة، وأغلق الباب عمليا أمام فرص المستقلين والقوى الصغيرة في الحصول على تمثيل مؤثر. هذا التعديل، الذي جاء بعد احتجاجات تشرين 2019 وضغوط الشارع لإصلاح النظام السياسي، بدا في جوهره تراجعا عن مطالب التغيير، إذ سمح بإعادة تموضع الأحزاب التقليدية نفسها تحت عناوين جديدة، بينما تراجع زخم التيارات المدنية والشبابية التي راهنت على قانون أكثر تمثيلا وعدالة.
في هذا السياق، يظهر رئيس الوزراء محمد شياع السوداني كأبرز المرشحين لتعزيز حضوره السياسي، مستفيدا من موقعه التنفيذي، ومن تحالفه الجديد المسمى «تحالف الإعمار والتنمية»، الذي يضم طيفا من التكنوقراط والوطنيين وشخصيات من أحزاب شيعية تقليدية كحنان الفتلاوي وعالية نصيف، حسبما وثّقته تقارير صحافية محلية ودولية. إذ يُقدَّم السوداني اليوم بوصفه رجل توازن بين الولاءات المتناقضة، ويحاول أن يظهر بمظهر الإداري البراغماتي أكثر من كونه السياسي العقائدي، مستندا إلى لغة وطنية غير طائفية وبرنامج خدماتي يركّز على البنى التحتية والطاقة والإدارة العامة.
ومع ذلك، فإن حقيقة انتمائه إلى الإطار التنسيقي الشيعي تجعله – في نظر خصومه- واجهة شابة لسلطة قديمة، تديرها الشبكات الزبائنية ذاتها التي تُمسك بالمؤسسات منذ عقدين، فالإطار التنسيقي، الذي يضم قوى كدولة القانون بزعامة نوري المالكي، والفتح بزعامة هادي العامري، وحركة العصائب بقيادة قيس الخزعلي، يعاني انقسامات متصاعدة. وتشير تقارير إلى أن منظمة بدر أعلنت خوض الانتخابات بشكل منفصل عن تحالف الفتح، في دلالة على تصدّع البيت الشيعي.
كما تفيد المعلومات بأن كتائب حزب الله تمارس ضغوطا على نواب الإطار لتعطيل مبادرات السوداني قبل الانتخابات، في محاولة لإعادة ضبط موازين القوة داخل المعسكر نفسه. هذه الانقسامات لا تنفصل عن التنافس الإيراني الداخلي في إدارة المشهد العراقي، إذ تسعى طهران، وفق ما نقلت تقارير ميدانية، إلى توحيد الكتل الشيعية تفاديا لتكرار تفككها في انتخابات 2021، لكنها تجد نفسها أمام قوى باتت تخشى التصاقها الزائد بالمحور الإيراني، في ظل مزاج شعبي ناقم على النفوذ الخارجي.

في المقابل، يميل المزاج العام في الأوساط السنية إلى إعادة ترتيب الأوراق بعد تراجع نفوذ تحالف «تقدّم» بقيادة محمد الحلبوسي، الذي يواجه منافسة شرسة من كتل سنية صاعدة تحاول استقطاب الناخبين الغاضبين من الأداء البرلماني السابق. أما في إقليم كردستان، فلا يزال المشهد منقسما بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني وحركة الجيل الجديد، في ظل تصاعد الخلافات حول توزيع الإيرادات النفطية وتراجع القدرة التفاوضية للأحزاب الكردية في بغداد نتيجة خلافاتها البينية.
وسط هذا المشهد المركّب، يأتي انسحاب التيار الصدري ليقلب التوازنات، ففي نهاية مارس، أعلن مقتدى الصدر مقاطعته النهائية للانتخابات، مؤكدا أنه «لن يشارك في عملية انتخابية ملوّثة بالفساد والطائفية». وأضاف في بيان على لسان المتحدث باسمه محمد صالح العراقي، «أن العراق يعيش أنفاسه الأخيرة تحت هيمنة الدولة العميقة والفساد المستشري».
هذا الموقف أحدث صدمة داخل الأوساط السياسية، إذ فقدت العملية الانتخابية إحدى القوى الشيعية ذات الثقل الجماهيري الأوسع. رئيس البرلمان محمود المشهداني وصف غياب الصدر بأنه يجعل «العملية السياسية مثل الطعام بلا ملح»، فيما اعتبر نواب من الإطار أن غيابه سيخلّ بتوازن القوى داخل البرلمان ويضعف المعارضة، ورغم أن بعض المراقبين الأكاديميين رأوا في المقاطعة «استراتيجية امتناع مؤقتة لرفع القيمة السياسية للتيار»، إلا أن الثابت أن الانسحاب الصدري يعيد رسم الخريطة الشيعية لصالح قوى الإطار، ويفتح الباب أمام مشاركة محدودة للتيارات المدنية اليسارية التي تحاول استثمار الفراغ، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، الذي أعاد تنظيم صفوفه ضمن تحالفات محلية تحمل شعارات العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد. ومع أن فرص الشيوعيين محدودة في ظل قانون انتخابي غير منصف وتمويل انتخابي غير متكافئ، إلا أن حضورهم الرمزي يعبّر عن عودة الخط المدني إلى الميدان السياسي بعد انكفاء سنوات احتجاج تشرين.

اللافت في أجواء الحملات الانتخابية الراهنة هو ضعف الضوابط القانونية، رغم صرامة اللوائح الصادرة عن المفوضية العليا، التي تحظر استغلال المال العام والرموز الدينية والمباني الحكومية في الدعاية. فالخبير القانوني سعد البخاتي حذّر من أن «العقوبات غير رادعة، وأن الخروقات سبقت انطلاق الحملات الرسمية»، مشيرا إلى تعليق لافتات في أماكن محظورة وتجاوزات في استخدام موارد الدولة، رغم الغرامات التي قد تصل إلى خمسين مليون دينار عراقي.
هذه الثغرات تطرح مجددا سؤال الثقة الشعبية في نزاهة الانتخابات، خاصة في ظل إرث طويل من شراء الأصوات وتضارب المصالح بين المفوضية والأحزاب النافذة. على المستوى الإقليمي، لا يمكن فصل الانتخابات العراقية عن سياقات التوتر بين طهران وواشنطن، ولا عن محاولات رئيس الوزراء السوداني، أن يوازن بين العاصمتين، فزيارته إلى الولايات المتحدة في أبريل 2024 ولقاءاته مع شركات الطاقة الأمريكية ووزير الدفاع، عكست رغبته في تعزيز استقلال القرار الاقتصادي، لكن الهجمات المتكررة من فصائل مرتبطة بإيران ضد القواعد الأمريكية، تعقّد هذا المسار، وتجعل علاقة بغداد بواشنطن محكومة بمعادلة هشّة، كما أوضح الباحث الأمريكي أنتوني بف في دراسته عن «معضلة العراق بين واشنطن وطهران».

الانتخابات المقبلة إذن، لن تكون مجرد منافسة على 329 مقعدا، بل اختبارا لمعادلة الحكم بعد عقدين من نظام المحاصصة الطائفية الذي وُلد مع دستور 2005، فالنظام الذي وُضع أصلا لضمان التعددية، تحوّل إلى مظلة للفساد وتقاسم الغنائم بين القوى الكبرى.
وكما يكتب الباحث ياسر كوتي، فإن «انتخابات 2025 لن تُحدث قطيعة مع النظام القائم، لكنها قد تعيد توزيع موازين القوة داخله»، فالسوداني، إن نجح، سيحاول تقديم نسخة «إصلاحية من الداخل»، لكنه في النهاية يعمل داخل بنية تغذيها الزبائنية والسلاح الموازي، ما يجعل أي تغيير حقيقي مشروطا بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة.

يبقى احتمال التغيير عبر صناديق الاقتراع مرهونا بقدرة الجمهور على كسر حاجز العزوف الذي لازم انتخابات 2021، عندما لم تتجاوز المشاركة 41%. المؤشرات الأولية تفيد بأن الاهتمام الشعبي هذه المرة أعلى، خصوصا بعد فشل مقاطعة تشرين السابقة في إحداث أثر ملموس، لكن استمرار الانسداد السياسي وغياب المعارضة الفاعلة قد يدفع قطاعات واسعة إلى الإحباط مجددا.
بين خطاب «الإصلاح من الداخل» الذي يتبناه السوداني، و»القطيعة الكاملة» التي يلوّح بها الصدر، تبدو الانتخابات المقبلة ساحة لإعادة تدوير النفوذ أكثر من كونها لحظة تحول جذري. ومع ذلك، فإن أي تصدع في جدار الإطار التنسيقي، أو أي اختراق رمزي للقوى المدنية، سيُعدّ مكسبا في سياق سياسي يعيش على حافة الاحتكار والإنهاك. وكما كتب الباحث علي الطاهر الحمود: «ربما لا تغيّر الانتخابات بنية النظام، لكنها قد تُعيد ضبط إيقاعه».

العراقيون يدخلون هذه الجولة بوعي متناقض: يريدون التغيير، لكنهم يخشون الفوضى، ينقمون على السلطة لكنهم لا يجدون بديلا منظّما، يعاقبون المقاطعة بعودة الأحزاب نفسها إلى البرلمان، ثم يعودون إلى الشارع للمطالبة بإسقاطها. إنها حلقة دائرية تُعيد إنتاج الأزمة كل أربع سنوات. وما لم تُكسر هذه الحلقة عبر إصلاح سياسي عميق يسبق الانتخابات لا يليها، فإن 11 نوفمبر 2025 سيكون محطة جديدة في مسار الاستمرارية، لا القطيعة.

صادق الطائي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى