مقالات

التطبيع “الشعبي” أولًا.. الجزء (2)

د. عبد الناصر سكرية/ لبنان

خاص “المدارنت”
بعد التركيز على محاربة القومية العربية؛ كرابطة توحد العرب وتؤكد وحدة مصيرهم، وتعزيز الشعور الإقليمي المنعزل عن الإنتماء القومي والمتخلي عنه، وبعد إطلاق حروب متعددة لتفكيك المجتمعات العربية إلى مكونات دونية متخلفة مغلقة على أسس طائفية ومذهبية وعرقية؛ راح المشروع الصهيوني يستكمل حروبه ضد الوجود العربي ومقومات نهضته؛ وأسس مناعته الثقافية والنفسية التي وضعته في رفض ومعاداة دولة “إسرائيل”..
3 – غزو العقل العربي
إنطلاقا من القدرة البارزة التي تمتلكها قوى النفوذ الغربي – الإستعماري وأدواتها المحلية؛ فإنها عملت على إبعاد مصادر تشكيل العقل وصناعة الوعي وتربية النفس؛ إبعادها جميعا عن مواقع التأثير وقطع صلتها بالواقع الشعبي؛ تمهيدا لزرع أفكار مناقضة للمصير العربي الواحد الذي يستدعي حتمًا تبنّي الدفاع عن فلسطين عربية حرّة..
تجسد هذا في غزو إعلامي تسويقي غير مسبوق؛ يهدف إلى إلهاء العقل بكل أنواع التفاهات والتفكير السطحي والتعلق بالشكليات وكل ما هو سطحي؛ لإبعاد أكبر قدر من الناس عن التفكير بفلسطين، وبمعوقات الواقع العربي الراهن وتحدياته المستقبلية، فكانت ثقافة العولمة التي تؤسس للنزعات الفردية والعقل الإستهلاكي والمعايير المادية النفعية، كأساس للعلاقات ومنطلقا لتبني المصلحة الفردية الخاصة على حساب مصلحة الجماعة؛ وكل ما يمت لها بصلة، إلى أن وصلت الأمور إلى حد قطع صلة أجيال بحالها من الشباب؛ بالتفكير الجمعي التعاوني الذي يترجم وحدة الهوية والمصير؛ ويشكل دافعًا قويًا للإهتمام والتفاعل مع فلسطين وقضيتها..
بالإضافة الى غزو ثقافة العولمة؛ يتجلّى هذا أيضا فيما يقوم به النظام الإقليمي، عبر تغيير المناهج التعليمية؛ لجهة إلغاء مواد دينية وتاريخية تبيّن خطر المشروع الصهيوني، وتحض على مقارعته والجهاد ضده. وصل الأمر إلى حذف “آيات قرآنية” معينة؛ لا تناسب الأطماع الصهيونية ولا تروق لها؛ ثم كان إلغاء مادة التربية المدنية من المناهج المدرسية، كما تغييب أي مواد تثقيفية من شأنها صناعة معرفة بالتاريخ؛ ووعي بالتحديات على الهوية والوجود..
هذا كله أدى إلى تفريغ العملية التعليمية من أي مضمون ثقافي بنيوي؛ وتحويله إلى مجرد تلقين وحفظ وتخريج حملة شهادات منقطعين عن واقع بلادهم وهمومها؛ وكل همهم السفر الى الخارج؛ للحصول على عمل شخصي أو جنسية أجنبية..
4 – ثقافة “السلام”
يبذلون إمكانيات ضخمة للترويج للسلام؛ من دون أي حديث عن مضمون السلام أو مفهوم السلام؛ حتى باتت كلمة السلام أكثر كلمة يسمعها الإنسان العربي في كل يوم وليلة..
وفي ذات الوقت؛ يسهبون في الحديث عن المصلحة، مصلحة العرب في السلام والتعاون مع الصهاينة؛ لما عندهم من تقدم “تكنولوجي” وإمكانيات علمية، وبشكل أو بآخر؛ يصبح مفهوم السلام التخلي عن فكرة العداء لـ”إسرائيل”، والقبول بالسلام معها على أساس الواقعية والمصلحة، فيما يعني هذا كله التخلي عن مسؤولية مقاومة المشروع الصهيوني، سواء بحجة السلام والخلاص من الحروب وما فيها من تدمير وقتل وتهجير؛ أو بحجة المصلحة والمنافع المتبادلة؛ أو حتى بحجة عدم القدرة على المواجهة وتحمل تبعات الرفض والمقاومة..
وعلى هذا الأساس، إنطلقت حملات الإعلام الواسعة محرضة على “السلام”؛ والتبشير به؛ ونشر جيوش من الموظفين والإعلاميين والنخب والمحللين والمعلقين والباحثين والمتطوعين؛ الذين يلاحقون العقل العربي ويحاصرونه في كل وقت وكل آن ومكان؛ لغرس مقولة السلام متكاملة مع القبول بالآخر الصهيوني؛ بأعذار وحجج متنوعة؛ والنتيجة المطلوبة شل قدرة العربي على رؤية الجانب الحقيقي لكل هذا الوهم المُسمّى سلامًا مع العدو المغتصب الإرهابي المجرم..
5 – إستنزاف الجيوش العربية
على الرغم من أي إتفاقيات رسمية إعترفت بالعدو وأقامت علاقات “طبيعية” مع “دولته”؛ إلا أن السياسة الصهيونية ظلت قائمة على محاربة أي دور ممكن للجيوش العربية؛ لا سيما دول المشرق المحيطة بفلسطين؛ وتلك التي تدخل في نطاق جغرافية مملكة بني صهيون الكبرى..
تجلّى هذا في منع تسليحها بأسلحة قتالية حديثة؛ أو التحكم بإمكانيات تشغيلها وإستخدامها، وعلى سبيل المثال؛ فإن الجيش اللبناني؛ لا يتلقى من الولايات المتحدة كمساعدات سوى آليات وعربات للنقل والإستعراض؛ وليس للقتال والدفاع عن النفس؛
والأخطر من هذا؛ إستخدام الجيوش كأداة في يد النظام للقمع الداخلي، وفرض الهيمنة ومنع الإعتراض؛ وتبقى فكرة تغيير العقيدة القتالية للجيوش عن طريقين:
الأول: إعداد وتأهيل قيادات عسكرية على ثقافة السلام؛ والقبول بالآخر، وإزالة مشاعر العداء لدولة الكيان.
الثاني: توظيف الجيوش في أعمال مدنية؛ ليست في جوهر وظيفتها الوطنية؛ كأشغال البناء والتعمير والتعهدات والتجارة المحلية؛ وكان من شأن هذا الطريق؛ صناعة مراكز قوى داخل الجيوش؛ لها مصالح مادية كبيرة بعيدا عن الحرب والمواجهات العسكرية؛ ظهرت قيادات ورتب عالية إغتنت من وراء هذه الأعمال؛ وإمتلكت ثروات كبيرة شخصية؛ فباتت مصلحتها المباشرة في الإبتعاد عن العمل العسكري الذي هو أساس ومضمون ومحتوى ومهمة الجيش.

ونتيجة لهذا كله، ظهر فساد كبير في شخصيات عسكرية؛ أرغمت على الدخول في منزلق العمل التجاري أو الإنجرار إلى منطق الصفقات والعمولات المشبوهة والقذرة؛ أكبر مثال على هذا، كان دور الضابط حسني مبارك؛ منذ أن كان نائبًا للرئيس؛ وهو الفساد الذي أوصلوه من أجله أجله إلى رئاسة مصر العظيمة.
النتيجة كانت:
-إما صناعة وعي مشوّه لدى فئة، فأسقطت العداء للصهاينة.
– وإما توريط فئة أخرى بالمصلحة الشخصية؛ فالإبتعاد عن الهدف العسكري.
– وإما الإفساد لفئة أخرى، ثم توظيفها بعيدًا عن مهمة الجيش الحقيقية.
– وإما تحويل فئة أخرى إلى أداة طيعة بيد النظام المستبد؛ تقهر بها إرادة الناس وترعبهم.
وهكذا تفتقد الجيوش وظيفتها ودورها في حماية الوطن؛ أرضا وشعبا ومؤسسات.
6 – إلإستغراق بالهم المعيشي
كانت ولا تزال هذه مسألة أساسية في تحضير أرضية مناسبة لتلقي وتقبل التوسع الصهيوني؛ تحت جنح الظلام وتحت رايات السلام وبناء الشرق الأوسط الجديد، فكان إغراق المجتمعات بالأزمات المعيشية المتلاحقة، وأولها إنقطاع الكهرباء والماء إلى الغلاء والتضخم وضعف الروات؛ مرورا بإضمحلال مؤسسات الدولة؛ وتراجع أداء مؤسساتها العامة إلى ما يقارب الإختفاء في كثير من الأحيان؛ مما يجبر المواطن على العمل في اكثر من مجال أو وظيفة لتلبية إحتياجاته الحياتية؛ فتستنزف طاقاته وينحصر تفكيره فيما يؤمن له مصادر رزقه ورزق عياله؛ فلا يتبقى له لا الوقت ولا القدرة على التفكير في الهم الوطني؛ وإيلائه ما يحتاجه من جهد وتركيز ومتابعة وتضحية؛ وهكذا ينصرف إهتمام العموم إلى مصالحهم الذاتية الخاصة؛ من دون المسائل الوطنية والقومية؛ فتكون فلسطين قد افتقدت جمهورًا واسعًا من أبنائها؛ ليس بفعل التخلّي الطوعي أو اللامبالاة بل بفعل الإبتعاد القسري؛ مع إستمرار المعاناة الوجدانية من دون القدرة على الفعل الإيجابي المؤثر؛ أمام هذا الواقع الحياتي وتخلي الدولة عن مسؤولياتها تضيع حقوق المواطن؛ فتبرز له جماعات تقدم له مساعدات إغاثية؛ وتتركه في إنتظارها حتى يكاد يتحوّل إلى متسوّل يسعى الى الحصول مساعدة عينية من هنا؛ وإعاشة من هناك؛ يسقط هكذا مبدأ الحق والواجب؛ حق المواطن على الدولة؛ وواجب الدولة تجاه المواطن؛ فتنهار العلاقة بينهما لتستبدل بعلاقة آنية ظرفية متذبذبة؛ تبعا لرغبة الجهة المتبرعة؛ فيتحول ولاء المواطن من الوطن إلى أشخاص؛ يقدمون له مساعدة عينية؛ غالبًا ما تكون رمزية لا تحل مشكلة ولا توظف طاقة، بل تبقي المواطن في حالة إنتظار وتبعية لمن يساعده.
مواطن كهذا؛ يفقد تدريجيًا ولاءه لوطنه وصلته بواقعه ومجتمعه، فتنحل روابطه بهما؛ فيتخلى عن الإهتمام بما يعتريهما من مشكلات وما يواجههما من أخطار وتحديات؛ منصرفا إلى شؤونه الخاصة التي تصبح محور حياته وتفكيره وإهتمامه؛ فلا يبقى لفلسطين أو أي قضية وطنية أو قومية أي مكان في جدول أعماله وإهتمامه؛ وهذا جوهر ومضمون الإنسان اللا منتمي الذي تسعى الدوائر المعادية إلى تنشئته وتصنيعه؛ بما يضمن لها قدرة كبيرة على السيادة والبقاء.
أمام تضافر كل هذه العوامل؛  وأخرى قد لا نحيط بها أو لا ندركها، تتهيأ في بلادنا مناخات سلبية تحاصر المواطن؛ وتدفعه بإتجاه السكوت والتغافل أو التعامي أو الجهل بالحقائق؛ بما يجعله عديم الفاعلية والتأثير في مجريات الأحداث؛ فتبقى الساحات مفتوحة للقوى المعادية، تخطط وتنفذ من دون عوائق؛ خصوصًا، وأن عموم أصحاب السلطان والفعالية والإمكانيات هم مِمّن يسهل ويتعاون ويسهم في دور فاعل في تحقيق تلك الأرضية المناسبة لبسط مزيد من النفوذ الأجنبي؛ في مثل هكذا ظروف، تتهيأ دولة الكيان للتوسع في بسط النفوذ والتسيٌد على المنطقة، فيما لا تملك أي إمكانيات للتوسع البشري والسكاني وحتى العسكري، وهكذا، فـ”إسرائيل الكبرى”، ليست إحتلال كل الأرض العربية المستهدفة؛ بل تفكيك مجتمعاتها وإستنزاف طاقاتها وإلهاء أبنائها بالعصبيات الإنقسامية والتناحر الداخلي والهم المعيشي.
هنا تحكم دولة العدو كيانات الأمة المبعثرة المشتتة المتناحرة؛ وتلك هي أفضل صياغة لـ”إسرائيل الكبرى”؛ وأسوأ صياغة لواقع عربي منهار.
بناء على هذا؛ قلنا ونقول: إن التطبيع “الرسمي” لم يعد الأولوية في استراتيجية العمل الصهيوني، بل التطبيع الشعبي أولا، لتتهيأ مجتمعاتنا العربية لتقبل وجود دولة الكيان الغاصب – قبولا نفسيا أولا – والإعتياد على التعامل معها، وإن من باب قبول الأمر الواقع وليس من باب الهزيمة والإستسلام.
ختاما، نذكر بأن معظم هذه التحضيرات تتم بأيد “عربية” محلية؛ وأخرى إقليمية؛ وحيث لا يستطيع العدو الصهيوني تنفيذها؛
تتكامل الأدوار والمستهدف واحد، هو فلسطين؛ والوجود العربي بكل مقوماته وأركانه.
فهل يقدرون؟ وهل لا تزال الأمة تمتلك من المناعة وعناصر القوة ما يكفي للوقوف والمواجهة؟!
وما العمل إزاء كل هذا؟

“يتبع”

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى